السبت، 4 مايو 2019

أسلوب الطاهر مكي بين صرامة الباحث ورهافة الفنان _ صلاح حسن رشيد

كلما قرأت للطاهر مكي؛ أدركت أنه باحثٌ فنانٌ؛ وفنانٌ باحثٌ من الطراز الرفيع؛ لا؛ بل من العِيار الثقيل. فقد أحال الدراسات الأدبية، والنقدية، والتاريخية، والمقارنية؛ حيث عالَم الجهامة في الطرح، والانغلاق في الأسلوب، والبعد عن الجماليات في الأداء؛ بحجة اتباع المنهج العلمي.. أحال كل ذلك إلى وجهةٍ أخرى؛ فأتى الطاهر مكي؛ لينسف كل هذا الكلام من الأساس؛ وليهدم كل هذا اللغو من العمق؛ فأبحاثه، ودراساته في الذروة العليا من الموضوعية، والحيدة، والنزاهة، والمصداقية، والجِدَّة، والابتكار، والخيال الخصيب، والصياغة المحكمة القشيبة التي تخلب الألباب. ومن المعروف أن الطاهر مكي؛ هضم التراث العربي الإسلامي؛ وهو في مرحلة الطلب الأولى في الأزهر الشريف؛ فقرأ الأشعار العربية كلها، واطلع على النثر العربي، والنقد في العصور القديمة، وعرف مدارس الفلسفة وتياراتها، وعلم الكلام، والفِرَق، وساح في التاريخ الإسلامي والحضارة؛ يعبُّ منه ما وسعه ذلك.

فلا جرم؛ أن الطاهر مكي؛ زاول الأدب منذ قرأ للأعلام الكبار في العصر الحديث؛ وهو في مقتبل حياته، أمثال: أحمد حسن الزيات، وعباس العقاد، وطه حسين، والمازني، وأحمد أمين، وجبران، ومي زيادة، وحسين هيكل، والرافعي، وكرد علي، وشكيب أرسلان، واليازجيين، والبستانيين، والبارودي، وإسماعيل صبري، وشوقي، وحافظ، ومحرم، والزهاوي، وغيرهم من مشاهير العرب؛ ثم انفتحت ذائقته على كتابات: دانتي، وثرفانتيس، وشكسبير،، ومدام دي ستال، ومدام سفينيه، ومدام لافييت، وديكارت، وشوبنهور، وشيللر، وشيلي، ووردزورث، وجوته، وديكنز، وسنت بيف، وكروتشه، وشاتوبريان، وكوليردج، وكيتس، ولافونتين، وبوشكين، وتولستوي، وتشيخوف، وديستوفسكي، وماركس، ولينين، وتروتسكي، وفولتير، ولامرتين وموباسان، وكافكا، وإليوت، وسارتر، وراسل، وبلزاك، وروسو، وبرنارد شو، وجوركي، وبابلو نيرودا، وإميل زولا، وأناتول فرانس، وفان تيجيم، وجوتييه، وفاليري، ودي لاجرانخا؛ ثم تعمقت منهجيته وآراؤه بالعكوف على مدارسة ومقاربة المستشرقين بمدارسهم المختلفة؛ ومنهم الإسبان كـ: آسين بلاثيوس، وإميليو غرسيه غومث، وخوليان ريبيرا، وبالنثيا، وسانتشت البرنس، وأورتيجا دي جاسيت، والمستشرقة الإسبانية سوليداد خيبرت، وميننديث بيدال، والمستشرق الأميركي إرفنج وشنجتن، والمستشرق الروسي كراتشكوفسكي، والمستشرق الألماني فون شوك، والمستشرق الفرنسي ليفي بروفنسال، والمستشرق الفرنسي هنري بيريس، وغيرهم.

ذات يومٍ؛ تشجَّعتُ، وفاتحتُ أستاذي الطاهر مكي عن سر نصاعة أسلوبه، وروعة عباراته، ودقته المنهجية، ومدى التزامه بقواعد البحث في كل دراساته وبحوثه وترجماته وتحقيقاته؛ فضحك؛ ثم قال بكل تواضعٍ وأمانة: "الكتابة عملية صعبة جداً يا بُنَيَّ؛ فالمقال الواحد؛ أكتبه ثلاث مرات؛ وفي كل مرَّةٍ؛ أُعيدُ صياغته من جديد؛ بالتقديم والتأخير، والحذف والإضافة؛ حتى يستوي على سوقه؛ ويصبح كالعروس في جلوتها"! فتذكرت ما نقرأه اليوم؛ وتساءلت بعجب وأسىً: إذا كان حال الطاهر مكي مع المقال هكذا؛ فكيف تكون أحواله وطرائقه مع البحوث العويصة، والدراسات العميقة؟

أخذ الطاهر مكي من التراث العربي؛ القدرة على التحليق بجناح الفن والبلاغة؛ وهو ما نلمسه في مؤلفاته. وأخذ من الغرب؛ الإعجاب بالمعاني والمضامين؛ والغوص وراء الفحوى؛ والجديد في الطرح؛ فلا يكون اللفظ أكبر من المعنى، ولا العكس؛ وإنما العبقرية في الموازاة بين الاثنين؛ بقلم البحاثة الأديب؛ وهو ما أتقنه الطاهر مكي باقتدار يحسد عليه كثيراً. إذاً؛ فالطاهر مكي؛ لا يستسهل في عمله؛ ولا ينشغل إلا بالتحبير؛ فقد مزج بين المنهجية الصارمة، وبين الفن في أعلى درجاته؛ ولنقرأ له مفتتح كتابه الشهير "الأدب المقارن أصوله وتطوره ومناهجه" ففيه يقول بأسلوبه الساحر: "هذا كتاب أتعبني كثيراً، ومؤكد أن قارئه سوف يتعب معي؛ إذ كان عليّ أن أطوف بكل أركان الدنيا؛ بحثاً وراء الأدباء من كل الطبقات؛ عظاماً ومتوسطين، ولا شيء، والرّحالة، والمؤلفين، والأنواع الأدبية، والمذاهب النقدية، في لغات عديدة، وأسماء لا تنتهي.. ومع ذلك أحسست، وأنا أعاني كتابته بلذة لا تعدلها لذة، ومتاع لا يعدله متاع، وأثق أن متعة القارئ لن تقل عن متعتي بحال". وكتب الطاهر مكي في إهدائه كتابه "دراسة في مصادر الأدب" قائلاً؛ بأسلوبه المدهش الخلاب: "إلى راهبة... إلى قلب كبير، وعقل ذكي، وسعني ذات يوم؛ حين ضاقت بي الدنيا"؛ وكأنها قصة قصيرة جداً؛ أو ما يطلق عليه بالومضة اليوم؛ فقد حملت من المسكوت عنه ما جعل القارئ يفطن إليه، ويسرح خلفه؛ بروعة الكتابة؛ وتكثيفها؛ والثناء الحار على الحب القديم الذي حالت الظروف بينه وبين الظفر به وهو ما فطن إليه تلميذه الناقد الدكتور محمد عبد المطلب عندما كتب قبل عامين عن الطاهر مكي قائلاً: "أما قمة الإنسانية والوفاء لمسيرته الحياتية والعاطفية؛ فيمكن أن نطل عليها في إهدائه الناعم الذي قدم به كتابه "دراسة في مصادر الأدب، الذي صدرت طبعته الأولى عام 1968م". وهو ما لاحظه تلميذه الدكتور يوسف نوفل؛ فقال عنه: "لا ينفصل عطاء الدكتور الطاهر مكي عن عوامل تكوينه، ومناخ نشأته وميلاد مواهبه، وروافد تغذيته وتثقيفه؛ وهو ما يمكن الوقوف على تفاصيله لمن يلم بتفاصيل سيرته، وخطوات مسيرته، وتقلب وجهه في آفاق المعرفة والعلوم، والتجارب والمواقف، وحله وترحاله، وبعثاته وأسفاره، ولغته المحلية، وبين ما اكتسب من لغات، وأطل من نوافذ، ونظر من كُوَى، وارتقى من منارات".

وأما الدكتور أحمد درويش؛ فقال عن أستاذه الطاهر مكي: "ويبقى من نقاط الصورة العامة التي رسمتها شخصية الدكتور الطاهر مكي خلال مسيرته العلمية التي تجاوزت نصف قرن... تبقى مسألة التقابل بين منهجين؛ هما: منهجية توسيع المجال، ومنهج تعميق الدائرة؛ وهما منهجان لكل منهما مزاياه ونقاطه التي تحسب له أو عليه"؛ أي الجمع بين رحابة الفنان الأديب؛ وصرامة الباحث ودقته.

وقال عنه الدكتور الراحل مجاهد الجندي أستاذ التاريخ والحضارة بجامعة الأزهر: "لقد أفاد أستاذي الطاهر مكي من اشتغاله بالصحافة الأدبية كثيراً؛ إذ وسَّعت من خياله، ومن تجويده الفني والأسلوبي؛ فكان عمدة الأدباء في بحوثه ومؤلفاته؛ وكان شيخ العلماء في منهجيته وصرامته. وقد أفادته سياحته الفكرية مع المستشرقين؛ فاقترب من العقلية الغربية في التأليف؛ ولم ينس شرقيته وعروبته أيضاً".
المصدر http://www.alhayat.com/article/4629055/ثقافة-و-مجتمع/تراث/أسلوب-الطاهر-مكي-بين-صرامة-الباحث-ورهافة-الفنان

الأحد، 21 أبريل 2019

عامان على رحيله

عامان على رحيله..
الطاهر مكى.. شيخ الزاهدين وعملاق النقد الأدبى

صلاح حسن رشيد باحث وأديب
http://www.ahram.org.eg/NewsQ/705852.aspx
فقد دهانى؛ من فقدكم؛ ما قد دهانى!
فما أسرع الأيام فى كرّها؛ وزقُّومها! وما أحلك الواقع فى قسوته وسطوته؛ حينما تغيب الكراوين الصادحة؛ والبلابل الماتعة؛ عن الحدائق والفراديس والمحاريب!
فها؛ هما عامان قد مرّا؛ على وفاة العلامة الدكتور الطاهر أحمد مكى «1924-2017م» عميد الأدب المقارن والدراسات الأندلسية فى العالم العربى؛ ولا تزال الدموع سخينة؛ والعيون ذاهلة؛ والأفئدة ملتاعة ملتاعة!
فقد قُبِضَ؛ برحيل الطاهر مكى؛ نصف العلم الأندلسى؛ فغامت أدواح الأدب؛ وبهتت دولة الكتابة الفنية، والبلاغة العصرية، والشيم المصطفوية؛ فأجدب النقد، وانمحل الفكر، وانزوى التثاقف؛ فصدئ العقل؛
ويا أياميَ المعسولة؛ رجِّعى؛ أياديه على البرية بالهنا؛
ويا ذكريات السعدِ؛ أشعلى سراجى؛ بـ«الطاهر» الوضّاء والسنا؛
ويا غربان الخسفِ؛ عدمتكِ خدعةً؛ فأعطار شيخىَ؛ تفوح بالرائقِ الجَنَى!
ألا قاتلَ الله الفقد؛ وقاموسه! وأبقى الله لنا الوداد بعلم «الطاهر» العاطر الشذا! فالطاهر مكى؛ تاريخ وواقع وحيوات لا حياة واحدة!
ذهب الجسم؛ وبقيت الروح والريحان؛ ترفرف حول طلابها ومريديها وطالبيها فى أعلى الجِنان؛ وتزور الأرض؛ لسقيا الناس وإصلاحهم.
تعطيهم؛ أرواحه الطاهرات .. نداوة الفكر؛ وطزاجة الطرح؛ وصدق الإخلاص؛ ومهارة الدرس؛ وعبقرية الذوق؛ وأصالة الكلمة؛ وأمانة المشروع؛ وقيمة الإنسان؛ ورسالة الخير والحق والجمال.
الطاهر مكى؛ مؤلفات ومواقف؛ محاضرات وذكريات؛ مقالات وآراء؛ دروس وأخلاق؛ عطاء وزيادة؛ الطاهر مكى؛ الناقد الإنسان؛ والإنسان الناقد؛ فقد علا عن الصغائر؛ وارتكن للضمائر؛ واتحد مع العظام والعظائم؛ فى عصر امتلأ بالقتام والصغائر!
فمن تراث الطاهر مكى المجهول؛ مقالاته الزاهيات الزاكيات؛ التى لاقت صدى طيباً لدى الأوساط الثقافية والأكاديمية والسياسية فى العالم العربي؛ والتى نشرها فى جريدة «الأهرام» الغرّاء؛ منذ الستينيات؛ والتى لفتت الأنظار إليه؛ وإلى قلمه؛ وإلى جديده؛ وإلى أسلوبه؛ فمتى يعكف عليها باحث جاد؛ فيحييها من جديد؛ عرفاناً بصاحبها، وما فيها من علم وأدب ونقد.
الطاهر مكي؛ قاموس الحياة النابض بالحب والمودة؛ مع من عرف؛ ومن لم يعرف! الطاهر مكي؛ ترجمان الأشواق إلى دولة الأخلاق! وساحر الأساليب فى الإنشاء والتعريب! الطاهر مكى؛ سيد التراجمة؛ ورائد الجهابذة؛ وعملاق التحقيق والتدقيق!الطاهر مكى؛ الذى ملأ الدنيا والجامعة؛ علما وأدبا وفضلا؛ وهو شيخ الزاهدين فى الشهرة والصيت!
بقيت نقطة مهمة جدا؛ يجب أن تلتفت إليها وزارة الثقافة؛ وهى مخطوطات الطاهر مكى التى لم تر النور بعد؛ وهى نفائس المكتوب؛ وروائع المقروء؛ وعظائم المنقود؛ بسليقة الموهوب؛ وروعة المثقف؛ وإدهاش القدير! فمتى تقوم الوزارة بطبعها؛ ضمن سلاسل هيئة الكتاب؛ هى ومشروع الطاهر مكى؛ الذى دشَّنه طوال ستة عقود؛ من الإنجاز والإبهار!
فالطاهر مكى؛ رصيد ضخم؛ من التراث والتثاقف؛ وسجل زاهٍ من العبقرية والموسوعية؛ بين آداب العرب، وآداب الغرب؛ بمنهجية الفنان؛ ومصداقية الناقد؛ وجمالية الأسلوب؛ وجديد المطروح؛ وديمومة المشروع؛ وحيويته؛ وفرادته، وواقعيته! حكى لى الطاهر مكى عن الرجال، والأفكار؛ والكبار؛ والصغار؛ عن حيوية مصر وفتوتها أبد الدهر؛ عن الحضارات والتاريخ؛ عن الشعر والفن؛ عن النقد والذائقة؛ عن الكتابة وجدواها؛ عن الرسم والموسيقى، عن الفلسفة وأفذاذها، عن المدرسة المصرية فى الدراسات الأندلسية، ورأيه فى شيوخها؛ عن سيرته الذاتية، وسيرة مصر والعرب فى القرن العشرين، وما قبله، وما بعده!

الأحد، 24 مارس 2019

الطـاهــر المكي....د. أبو الفتوح عقل





الطـاهــر المكي
د. أبو الفتوح عقل(*)

الطاهرُ المكيُّ هلَّ ومن معه      


بدرًا تألق في سماء الجامعةْ   

شرف لدمياط العريقة أن تَرى      


نجمَ النجومِ محاضرا ما أروعهْ   

يا أيها الشيخُ الجليل تحيةً    


مِن عند مَنْ رفع السماء السابعةْ      

اليوم عيدٌ يا عزيزي عندنا      


بل إنّه يومُ اعتماد الجامعةْ    

دعنا نؤرخ هاهنا بقدومكم      


دعنا نفاخر والجموع الجامعةْ    

الطاهرُ المكيُّ يجلس بيننا     


رؤيا منام أم مشاهد واقعةْ      

كليةُ الآداب هذا يومُها       


يوم له ماله في المنفعة    

يا معشرَ الطلابِ هذا شيخكم       


فَلَكم دَعونا الله يجمعنا معهْ     

فإذا به وبعلمه وبفكره      


يأتي إلينا بالعلوم الماتعةْ    

يأتي كريـمًا كالربيع إذا غدا    


بين الرياض يبثُّ روحًا رائعةْ      

النقد والآداب عندك شيخَنا       


تبدو رياضًا زهرُها ما أبدعهْ    

نبضٌ من الروح الكريمة قد سرى    


بين السطور الماتعات المبدعةْ       

فإذا بمدرسةٍ تكامل نهجُها       


عنوانها فنُّ وأخلاقٌ معهْ    

إن تقرأ المكي تلق سطوره    


أغصانَ نورِ والوصية جامعةْ     

الفنُّ للقيَمِ الكريمة نهجُه       


وبغير ذلك لا يقول الأربعةْ    

وإذا الغوامضُ والمبادئُ كلها    


تبدو عرائس في ثياب ناصعةْ       

وإذا الأدلة ناطقات بالهدى       


تسرى نسيما بالردود المقنعةْ    

الفكر والأخلاق عند أديبنا    


والفن غايات الدروس الممتعةْ      

كل امرئ يُعطى نصيبا في اسمه       


كل المكارم للطهارةِ راجعةْ    

فإذا رأيت طهارةً مكـيَّةً    


فاسعد وقل عن شيخِنا ما أروعهْ       

والله أسأل أن يبارك ضيفنا


ويمده بالمكرومات ويرفعهْ


****




(*) مدرس الأدب العربي في قسم اللغة العربية- كلية الآداب- جامعة دمياط.. ( انظر المناسبة في الفقرة الخاصة بأخبار الدرعميين) .

الثلاثاء، 19 فبراير 2019

درب العمر - الشاعر: حامد الجوجري - إلى د. الطاهر أحمد مكي




إلى الأخ العلامة د. الطاهر أحمد مكي

أخي حقه مني المودة والبر 


فقد ضمنا درب طويل هو العمر 

مشينا به نطوي الليالي مراحلا


يؤرقنا ليل ويسعدنا فجر

وما العمر إلا مورد من معينه


نعب كئوسا ملؤها الحلو والمر

كذاك هي الدنيا ابتلينا بها معًا


فما ضرنا بأس. ولا غرنا وفر

وعشنا رجالاً يحضن النور قلبنا


وسرنا فلا بحر يعوق ولا بر

لنا غاية نبني لمصر رجالها


وها نحن أدينا الأمانة يا مصر

إلى الأفق الأسنى دعاه نبوغه


وطافت تحيي ركبه الأنجم الزهر

وعز به في الخالدين مكانه


وأي مكان حل فيه له الفخر

فمن شفتيه كم أضاءت مسالك


تهدي بها الساري إذا احتجب البدر
وكم أطلعت كفاه صبحا لقارئ


إذا فاته سفر أضاء له سفر

سيبقى على وجه الزمان عطاؤه


ويروي علاه الدهر ما بقى الدهر

وأي عطاء ناله دون بذله


وهل لشموس العلم في أفقنا أجْرَ؟
****
أخي قد قضينا العمر جهلا وغفلة  


وسرنا سكارى في الحياة ولا خمر  

حيارى فما ندري صواب طريقنا

إذا ما سلكناه أم التيه والقفر

عرفنا الحياة الحق بذلا وعزة


وإن آدنا عبء وإن ساءنا فقر

وقلنا سنحيا للمبادئ حسبنا


رضا الله لا مال يهم ولا وفر

فهل نحن كنا واهمين يقودنا


سراب هو الإخلاص والبذل والخير
ويعبث بالأقدار عصر يسوده


جهول وأفّاق وفَدْم ومغتّر

****
أخي أيها القديس في معبد العلا    


ترانيمك الحرمان والضيق والعسر    

أضعت الشباب النضر بحثا ودقة

وضيعني التدريس والشرح والشعر
تركنا ملذات الحياة لغيرنا


وقلنا ربحنا الفضل هل ربحنا خسر؟!
لنا من عطاياها المعارف جمة


وللغير منها المال والبيض والسمر
نراها فنغضي عفة وتأبيا


وفي قلبنا نار وفي صدرنا جمر

ويبلغ منها غيرنا ما يريده


فلا شاقه نبل ولا عاقه طهر

وكل ملذات الحياة مباحة


إذا رامها اثنان الملاعب والقهر

فلو أن لي بالرأس رجلاً لنالني

من الخير ما لم يؤته العلم والفكر

فقم وانظر الأحلام (كانت) وأفتني

ترانا ربحنا العمر أم غالنا العمر


****

الخميس، 29 نوفمبر 2018

من صحيفة دار العلوم - عدد خاص - صدر تكريما للدكتور الطاهر أحمد مكي.





رَبُّ المَكْرُمَاتِ
وائل عبد الوهاب

1- نُقًوشٌ مِنْ حَيَاتكَ فيِ حَيَاتيِ


فَمَا أَدْنى سِمَاتكَ مِنْ سِمَاتيِ!([1])

2- كَأَنَّ البَحْرَ لَمَّا امْتَدَّ ظِلُّ


لَهُ بِالَمدِّ أَسْفَرَ عَنْ قَنَاتيِ

3- أَنَا غُصْنُ بِجِذْعِكَ طَابَ لَمَّا


نَمَوْتُ عَلَى مَعَارِفهِ نَبَاتيِ

4- وَأَنْتَ مَنِ امْتَزَجْتَ بِماءِ رُوِحي

فَلَمْ أَرَ فِيكَ ذَاتًا غَيَرَ ذَاتيِ

5- فَبَالَكَ فيِ الغُرَيْرَة([2]) مِن سِراجِ

يُضِئُ مِنَ الُمحِيطِ إِلَى الفُرَاتِ

6- تُهَزْهزُهُ بِلَيْلٍ رِيحُ إسُنَى([3])


فَيْنسَكبُ الشُّعَاعُ عَلَى الَموَاتِ

7- نَهَارُ لاَ يَكُرُّ عَلَيْهِ لَيْلُ


وَشَمْشُ لاَ تَغِيبُ بِالاِفْتِيَاتِ

8- حَبَسْتُ لَدَى مُصَدَّقٍ([4]) الَمطَايَا

لِيَقْضِيَنيِ ابْنُ مَكِّيِّ صِلاَتِي

9- فَأَدَّاهَا وكَانَ بِهَا زَعيمًا


وَقَامَ بِحَقِّ طَارِقِه المُوَاتِي

10- أَقَامَ علَى ذرَا الدُّقِّي مَنَارًا


لِيُبْصِرَ نَارَهُ جَوْعَي المَشَاتِي

11- فَنِعْمَ مُعَرسًا بَيْتُ ابْنِ مَكِّي


إِذَا يَئِسَ الرِّكَابُ مِنَ النَّجَاةِ

12- ظللت مُمَزَّقًا مِنْ قَبْلُ حَتَّى


جَمعْتُ عَلَى مَحَبَّتِهِ شَتَاتِي

13- فَأَصْفَانِي وَلَمْ يَقْطَعْ حِبَالي


وَأَلْقَمَ شَانِئِي أَلْفَيْ حَصَاةِ

14- كَأَنَّ حَديثَهُ تَرْنِيمُ رُوح


وَقَدْ أَمَّ المَلاَئِكَ لِلصَّلاَة

15- تَخِرُّ دَعَائِمُ المِحْرَابِ خَرًّا


عَلَى تَرْتِيلِهِ لِلذَّارِيَاتِ

16- لَهُ عَزْمُ تُطَاوِعُهُ المَعًالِي


إِذِ اعْتَادَ الأُمُورَ السَّامِيَاتِ

17- وَوَجْهٌ لاَ يُقَالُ لَهُ إِذا مَا


يُحَيَّا غَيْرُ نِبْرَاسِ الهُدَاةِ

18- وِقَلبُ مُرَاقِبٍ لله دَوْمًا


وَعَيْنُ لاَ تَخُون فِي الاِلًتِفَاتِ

19- يُرَجَّى برُّهُ فِي كُلِّ جَدْبٍ


يَضِنُّ لَهُ الأَمَاجِدُ بِالنَّوَاةِ

20- فَلاَ حُرِمَ الغَرِيبُ وأَنْتَ فِيهَا


تُضَيِّفَ بِالرَّوَاحِ وبِالغَدَاةِ

21- يَدِينُ بدينِكَ الأَحْرَارُ مِمَّنْ


أَبَوْا إِلاَّ اجْتِنَاءَ المَأْثُرَاتِ

22- وَمَا ذو لُحْمَةٍ دَانٍ حَمِيمُ


بِأَكْثَرَ مِنْكَ رِفْقًا بِالغًلاَةِ

23- فَيَالَكَ فِي الغُرَيْرَةِ مِنْ غَدِيرٍ


يَؤُمُ مِيَاهَهُ خَيْرُ السُّقَاةِ

24- تُمِدُّ مَعِينَهُ أَنْهَارُ عَدْنٍ


بِفَيْضٍ مِنْ رُبَا الفِرْدَوْسِ آتِ

25- مَسِيلُ لاَ تُكَدِّرُهُ دِلاَءُ


عَلَى مَرِّ الدُّهُورِ البَاقيَاتِ

26- وَقَالَ مَعَلِّمُ الشَّيْطَانِ لَمَّا


رَآكَ تَئِنُّ مِنْ حَالِ الحُفَاةِ

27- شَيُوعِيُّ يَحنُّ عَلَى اليَتَامَى


يَسَاريُّ الشَّمَائِلِ وَالصِّفَاتِ

28- يَسَارُكَ مِنْ يَمِيِنكَ لَيْسَ عَيْبًا


بِمَحْمُودٍ عَلَى كُلِّ الجِهَاتِ

29- يَمِينُ يَمْنُهَا بِرُ وتَقْوَى


وَيُسْرَى يُسْرُهَا للصَّالَحِاتِ

30- فَلاَ تَسْمَعْ إِلَى دَعْوَى حَسْودٍ

وَلاَ تَعْبَأْ بِأَقْوَالِ الغُوَاةِ

31- لَكَ الُحسْنَى بِمَا أَحْسَنْتَ وَعْدًا

وَلاَ يُوفِي كَرَبِّكَ بِالعِدَاتِ

32- عَلَيكَ مِنَ الَمحَامِدِ كُلُّ ثَوْبٍ

يَزِينُكَ بِالتَّواضُعِ وَالأَنَاةِ

33- وَتأْسُو مِنْ جِرَاحِ النَّاسِ شَيْئًا

يَعِزُّ عَلَى أَسَاطِينَ الأُسَاةِ

34- هُدِيتَ- وَكُلُّ فَضْلٍ دُونَ هّذَا-

إِلَى كَفِّ اللِّسَانِ عَنِ الأَذاةِ

35- وَبَذْلِ العلْمِ للِطُّلاَّبِ حَقَّا


بِلاَ أَجْرٍ يُصَابُ وَلاَ هِبَاتِ

36- أَبُو الآبَاءِ شُرَّاحِ الوَصَايَا


فَمَا لَكَ بِالبَنِينَ وَبِالبَنَاتِ

37- وَمَالَكَ بِالوَرِيثِ وَأَنْتَ إِرْثُ
 

مِنَ النُّورِ المُعَبَّقِ بِالعظَاتِ

38- وَمَالَكَ بِالوَرِيثِ وَأَنْتَ كَنْزُ


تَوَارَثُكَ الشُّعُوبُ بِلاَ وَصَاةِ

39- يَرَاكَ العِلْمُ مَرُجِعَ كُلِّ حَبْرٍ


وَأُسْتَاذَ الأَساتِذَةِ الثِّقَاتِ

40- جَمَعْتَ الشِّعْرَ حَتَّى فَقْتَ فِيهِ

وَفِي الآدَابِ أَنْبَاهَ الرُّوَاةِ

41- تَقُومُ عَلَي مَبَاحِثكَ الأَمالي
 

فَمَنْ لِلَّوْحِ مِثْلُكَ وَالدَّوَاةِ

42- مَدَحْتُكَ مَا مَدَحْتُ وَلَمْ أُوَفِّ

وَكُنْتَ اعْتَدْتَ نَفْحَ الطَّيِّبَاتِ

43- وَمَا كَانَ الَّذِي أَنْشَدْتُ مَدْحًا

وَلَكِنْ خَاطِرًا مِنْ فِكْرَيَاتي

44- فَفَضْلُكَ لاَ يُحِيطُ بِهِ ثَنَاءُ


وَكَيْفَ وَأَنْتَ رَبُّ رَبُّ الَمكْرُمَاتِ؟!
45- وَكَيْفَ وَ أَنْتَ تَعْدِلُ كَلَّ عَدْلٍ

يُجَوَّرُ بَعْدَهُ قَاضِي القُضَاةِ

46- أُكِنُّ لَكَ الوِدَادَ وَلَيَسَ شيْئًا


عَلَى مَا كَانَ مِنْكَ إِلَى مَمَاتِي

47- وَلَوْ أَنِّي أُحَاوِلُ مِنْكَ أَمْرًا


لَفُزْتُ بِه وَلَمْ أَبْذُلْ رَجَاتِي

48- فَيَالَكَ فِي الغًرَيْرَةِ مِنْ رَبِيعِ


تَفَتَّحَ نَوْرُهُ وَسَطَ الفَلاَةِ

49- تَزَاهَى نَبْتُهُ وَالْتَفَّ غَضًّا


عَلَى مَدِّ الظِّلاَلِ الوَارِفَاتِ

50- يُغنِّي طَيْرُ جَنَّتِهِ وَيَشَدُو


عَلَى أَفْنَانِهَا فِي الأُمِسِيَاتِ

51- عَبِيرُ لاَ تُزَيِّفُهُ العَوَادِي


وَسِحْرُ فَاقَ طَيْفَ الأَمْنِيَاتِ!!


****
الهوامش:


([1]) دُبِّجت هذه القصيدة في تحية أستاذي العالم الكبير د. الطاهر أحمد مكي.
([2]) الغريرة: قرية من قرى إسني من أعمال محافظة قنا، وهي مسقط رأس العالم الممدوح.
([3]) إسني: وردت كتابتها هكذا بالياء في القاموس المحيط للفيروز آبادي.
([4]) مصدق: أحد شوارع حي الدقي بمحافظة الجيزة، وبه يقطن الممدوح