الاثنين، 23 يونيو 2014

رسالة من قارئ (الدكتور عثمان إمام السيد)

الدكتور عثمان إمام السيد
كنت وما زلت تلميذا لأستاذنا الدكتور الطاهر مكي في كلية التربية جامعة عين شمس منذ ما يزيد على عشرين عاماً وكنا ندخل محاضرته بل كنّا ننتظر محاضراته في : الأدب والنقد والأدب الندلسي ومصادر الأدب ، ويعجبني أسلوبه وهو يتحدّث بالمضارع في حديثه عن الماضي ولسيادته كلمات أضعها نصب عيني منذ سمعتها من سيادته وكان يقولها معلقاً على كل عالم من العلماء الذين كان يحدثنا عن كتبهم في كتاب مصادر الأدب ومنهم : المبرّد وابن بسّام وغيرهم كان يقول : ليس صحيحاً أنّ العلم والثقافة لا يدران على صاحبهما شيئاً وإن كان ذلك يتأخر !!
نعم فقد بذلنا العمر في طلب العلم وتخصصت في مجال مناهج وطرق تدريس اللغة العربية !
وتمرّ الأعوام وبينما ابحث عن اصدقاء على وجه الكتاب أو الفيس بوك أجد صورة استاذنا الدكتور الطاهر مكي تنير فاسرعت بإرسال طلب صداقة وذكرت سيادته بما كان في محاضراته وبقرابتنا في محافظة قنا فاي صعيدي يشرف بقرابته من استاذنا الدكتور الطاهر مكي .

فجزى الله الدكتور الطاهر مكي عن اللغة العربية بل والإسلام خير الجزاء وأنا أريد من يتعاون معي في إخراج كتاب عن استاذنا بعنوان ( الطاهر مكي سيرة وتحيّة دراسات في الأدب والنقد والمناهج ) إن شاء الله:
osman _ emam@hotmail.com
 01220102177 

الأحد، 15 يونيو 2014

العلاّمة الطاهر مكي لـ “رأي اليوم” : برحيل المنجرة افتقدنا مثقفا ذا موقف في زمن صار المثقفون تجار كلام.



القاهرة – “رأي اليوم” – محمود القيعي:

وصف العلاّمة د. الطاهر أحمد مكي أستاذ الأدب العربي بكلية دار العلوم جامعة القاهرة رحيل المفكر المغربي الكبير د. المهدي المنجرة بأن الثقافة العربية افتقدت مثقفا وإنسانا ذا موقف، في زمن عزّ فيه أصحاب المواقف الحقيقية.

وأضاف د. الطاهر في تصريح خصّ به “رأي اليوم” أنه يحمل للمنجرة كل ود وتقدير، كونه إنسانا ومثقفا ذا موقف ،واصفا المثقفين الذين لا مواقف لهم بـ “تجار الكلام”.

وقال د. مكي إن المنجرة كان إنسانا في زمن أصبحت فيه مشاكل الحياة قادرة على هدّ العلاقات الانسانية بين الناس جميعا.

المصدر: http://www.raialyoum.com/?p=105079

الجمعة، 6 يونيو 2014

الأستاذ الدكتور الطاهر مكي يناقش رسالة الدكتوراه المقدمة من الدكتور محمود الطويل وعنوانها "لزوميات أبي العلاء - دراسة أسلوبية"


اللّغة العربيّة وتكنولوجيا القرن الواحد والعشرين.


               اللّغة، أيّ لغة، دون نزاع، أوضحُ خصائص الجنس البشريّ، فهي مرآة العقل، وأداة الفكر، ووعاء المعرفة، وتاريخ أيّ لغةٍ هو تاريخ شعوبها، وازدهار أيّ حضارة مرتبط بازدهار لغتها، تسمو بسموّ المتكلّمين فيها، وتنحدر بانحدارهم.
ولغتنا العربيّة أعرق اللّغات السّامية، وأغناها أصواتاً وصرفاً ومعجماً، وهي أجمل اللّغات إيقاعاً، وأيسرها تركيباً واشتقاقاً، والحفاظ عليها مسؤوليّة الجميع، المجتمع ومؤسّسات التّعليم والتّربية والإعلام، مقروءاً ومسموعاً ومرئيّاً، والمنظّمات الثّقافية بكلّ مستوياتها.
مع التّقدم الهائل في تكنولوجيا المعلومات، وتفجّر المعرفة على كلّ المستويات، احتلّت اللّغة مركز الصّدارة، وتجاوز تأثيرها مجالات التّربية والثّقافة إلى المجالات السياسيّة والاقتصاديّة والتّقنيّة، وإذا كانت اللّغة قد ارتبطت بالسّياسة في عصور سلفت عن طريق الخطابة، وأداتها اللّغة، وإجادتها شرط في نجاح الحاكم وشعبيّته، فهي الآن أساس الخطاب الإعلاميّ ومادّته اللّغة، والإعلام يلعب أهمّ دور في الحياة السياسيّة، وطنيّة أو قوميّة أو عالميّة.
وأدى ذلك إلى العناية باللغات القوميّة التي اندثرت، أو كانت في طريقها إلى الاندثار، في عدد من البلاد الأوروبية وغيرها، ونجح بعضها نجاحاً كاملا كما هو الحال في اللغة العبرية في فلسطين المحتلة، واللغة القطلونيّة في شمال شرقي إسبانيا، والجليقية في شمال غربيها، ولغة ويلز في بريطانيا، وأخذت هذه الظاهرة بعداً سياسياً خاصة بشعار أوروبا الموحدة، واختلف حولها المثقفون هناك، رآها بعضهم عقبة كأداء في طريق أوروبا الموحدة، ورآها آخرون مصدر طاقة ثقافية كامنة، يمكن أن تثري الحضارة الأوروبية في مختلف بلدانها.
وتجلى التأثير الاقتصادي واضحاً فيما تتمتع به الولايات المتحدة من ميزات في تنافسها الشديد مع اليابان في سوق البرمجيات، لشيوع اللغة الإنجليزية وبساطتها، وانغلاق اللغة اليابانية وصعوبتها، ومن هنا جاء اهتمام البلدين الشديد بنشر لغتيهما، والإنفاق على تعليمها في البلاد التي لا تتكلمها، فاليابان مثلا تموّل تعليم اللغة اليابانية في الجامعات المصرية وتدعمه، وتمد هذه الكليات بالمعامل اللغوية والكتب والأساتذة.
وتزداد العناية باللغة –أي لغة– أهمية حين ترتبط بتقنية الطباعة والاتصالات والبرمجيات، والدور الخطير الذي تلعبه في تطوير معمارية الحاسب على نحو ثوري حتى أنه ليعد الآن حاسباً لغويّاً، غايته كسر الحواجز التي تعاني منها بعض اللغات، كالصينية واليابانية، أملا في السيطرة على سوق المعلومات العالمي، والذي يعدّ فيه تعامل تقنية المعلومات مع لغات العالم المتعددة عاملا حاسماً في تحقيق السيطرة.
لقد فجرت تقنية المعلومات مشكلات اللغة على نحو لم يحدث من قبل، وتظهر المواجهة الشديدة بينهما الحاجة الماسة إلى التوفيق بين اللغة والحاسب حتى يتهيّأ للأولى أن تفيد من الثاني، ومن الثاني أن يستخدم الأولى في كفاءة ومن غير مشكلات في الاستخدام والتوصيل، ولن يتمّ ذلك في كفاءة إلا بجهد بالغ من الجانبين، علماء اللغة من جانب، وعلماء الحواسيب من الجانب الآخر، ولن يستطيع أيٌّ منهما أن يصل وحده إلى حلّ مشكلات هذه القضية، وهي بالغة التشابك والتعقيد.
لقد وجد علماء اللغة وعلماء الحواسب أنفسهم أمام تحدٍّ حقيقي؛ لأن ما هو متاح الآن لا يكفي لمواجهة مشكلات اللغة – الحاسب ولا بديل عن استخدام مناهج مبتكرة، وشق دروب علمية جديدة، في جوانب لم يتطرق إليها البحث العلمي من قبل، وهو ما تقوم به مراكز علمية جديدة متخصصة في الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد السوفييتي وألمانيا واليابان ومناطق أخرى من العالم.
وتصنع الأمم الحريصة على السبق والتقدم المستحيل لكي تحقق غاياتها، ولو أحنت رأسها أمام من تراهم خصومها وأعداءها، وتزهو عليهم وتتكبر بتقدمها وعلمها، وأخرى تتراجع أمام ما كانت تراه تهويمات إبداع، تستمع إليه وتدرسه، فقد تخرج من ورائه بجديد نافع.
إسرائيل تدعو أحمد زويل ليحاضرَها عن ثمرة خياله العلميّ، وقد حوّله هذا العالم المصريّ الفذّ إلى واقع علميّ بعد أن نجح في سحق الزّمن إلى وحدة (الفمتو ثانية) واحد على ألف تريليون من الثانية، التي تتعامل معها آلة تصويره الفائقة السّرعة.
ويرى الكونجرس الأمريكيّ أنّ أيّ خيال علميّ الآن يمكن أن يصبح في الغد واقعاً، وهكذا دعا كاتباً متخصّصاً في الخيال العلمي ليحاضره في مستقبل صناعة المعلومات، وهو يضع سياسة جديدة لنظم الاتّصالات في الولايات المتّحدة.
هذه العمليّة الجادّة والمتحرّرة في الوقت نفسه لم تستطع وهي تدرس قضايا اللغة لكي تجعل منها وسيلة ناجحة وميسرة يستخدمها الحاسب الآلي، أن تتخلص من الأسئلة القديمة ذات الطابع الفلسفي، والتي عادت تطرح نفسها من جديد: هل اللغة ظاهرة عشوائية اعتباطية أو وراء ظاهرها نظام متسق تحكمه قواعد ومبادئ؟
هل ندرس سلوكها الظاهر المحسوس أو نحاول استجلاء المعرفة اللاواعية التي تحكم آليات النطق والفهم؟ هل اللغة سلسلة من الرموز الخطيّة أو شبكة من العلاقات المتداخلة، أو أبنية من مستويات متوازية متتالية؟
ما الوحدة اللغويّة التي يرتكز إليها الدرس اللغوي: أهي اللفظ أو الجملة أو السياق؟ وهل المدخل لدراسة بنيتها الداخلية: مباني تراكيبها، وأنماط نظمها أو دلالة معانيها؟ استعاراتها بخاصّة، وما تبطنه كناياتها؟
وهل تدرس اللغة المنطوقة أو آثارها المكتوبة؟ وهل تعني باللغة كما يجب أن تكون أو كما تمارس في واقع الحياة اليومية، أو نجمع بينهما؟
ومن هنا يرى بعض العلماء أن إخضاع اللغات لضوابط العلم وهمٌ خادع؛ لأن الرياضيات والمنطق والإحصاء لا تستطيع أن تحيط بهذا الكمّ الهائل من ظواهر اللغة المعقّدة، ومن الصعب- إن لم يكن مستحيلاً- على هذه الآلة الصماء (الحاسب) أن تحاكي ملكة اللغة في مرونتها، ومترادفاتها، والانفعالات الكامنة وراء تعابيرها.
لكنّ آخرين من العلماء أيضاً يرفضون هذا الرأي تماماً، ويرون أن كلّ ذلك ممكن تحقيقه إذا توافرت لدينا وسائل علمية جديدة ورياضية حديثة، وإحصاء متقدّم، ومنطق يغاير منطق أرسطو، ومعالجة آلية تختلف عن أساليب البرمجة الحالية التقليدية، وهكذا ظهر ما يسمّى علم (اللّسانيات الحاسبة) (computional linguistics) وأدى ذلك إلى ثورة علميّة في معظم فروع علم اللغة، لما يزل صداها قوياً الآن – طبعاً في غير العالم العربيّ – ولفترة قادمة قد تطول.
إنّ دخول دراسة اللغة في مصاف العلوم المضبوطة فيما يرى عدد من العلماء شرطٌ جوهريّ لكي تتبعها علوم الاجتماع والأدب والنقد، وعلم (استرجاع المعلومات) وهو ما يزال قيد البرمجيات الهندسيّة العمليّة.
لقد أصبح التعامل مع اللغة الآن آليّاً بواسطة الحاسب، وهو محور تقنية المعلومات، وأصبح التواصل عن بعدٍ عبر الوسيط الالكتروني أوسع نطاقاً، وأكثر تنوّعاً، مما قلب مفهوم التواصل اللغويّ التقليدي الذي اعتمدنا عليه قروناً رأساً على عقب فيما يتصل بالعلاقة بين المرسل والمتلقي، أو تنوع أشكال التواصل واتساع نطاقه، ومع ذلك يرى المختصون أن التواصل الحاليّ عبر الشبكة العنكبوتيّة ويرتكز الآن على الكتابة هو مرحلة بدائيّة تمهّد لتواصل أوسع نطاقاً، وسوف تنتهي بنا إلى تواصل أوسع دائرة يمتزج فيه المكتوب بالمسموع، إضافة إلى المرئي من الصور الثابتة والمتحركة.إنها ثورة في أسلوب التواصل ذات نتائج خطيرة، بعيدة المدى فوق ما نتصوّر.

اللّغة العربيّة، والتّطورات التّقنيّة المعاصرة:

قبل أن نعرض لموقف أهل اللّغة العربيّة من التّطورات الخطيرة التي تجري حولنا ونتحدّث عن السّلبيّات الهائلة التي تحول بيننا وبين مكاننا الذي نستحقّه بين الدّول الكبرى المتنافسة من الضروري أن نذكر بميزاتها التي يجهلها الكثيرون من أبنائها الأجيال الشابة بخاصة، واليساريون المراهقون، والمولعون بالغرب حضارة وثقافة على نحوٍ أخص حتى نأتي على الصعاب الكبرى التي تقف في طريقنا، وتحول دون الوصول إلى غايتنا هذه، وهو طريق لا مفر لنا من اجتيازه إذا أردنا الحياة فلا نهضة بدون الوصول إلى هذه الغاية العظمى.
العربية أعرق اللغات السامية، وأغناها أصواتاً وصرفاً، وأثراها معجماً، وهي تتسم بالتوسط اللغوي، ويتجلى ذلك في معظم خصائصها اللغوية مما يجعلها وسطاً بين أطراف كثيرة من المحاور التي تحدد مجالات التنوع اللغوي، فهي تؤثر الشائع وتكرر الشاذ، وتجمع بين كثير من الخصائص اللغوية المشتركة مع لغات أخرى. فإذا اتخذنا من الإعراب مثلاً وجدناها تتخذ موضعاً وسطاً، فهي لا تخلو منه تماماً كما هو الحال في اللغة الإنجليزية، ولا يكثر فيها نسبياً كما هو الحال في اللغة الروسيّة (حالات الإعراب في العربية ثلاث، وفي الروسية ست).
وتضمّ اللغة العربية في صيغ الأفعال المزيدة خمس عشرة صيغة،فتجئ وسطاً بين اللّغات ذات صيغ الأفعال المحددة كاللغة الإنجليزية، والأخرى ذات المزيد منها كالإسبانيّة حيث يتجاوز عدد صيغ أفعالها ثلاثين صيغة.
وتتسم اللغات السامية عامة بخاصية الاشتقاق الصرفيّ المبني على أنماط الصيغ، والعربية في هذا نسيج وحدها لا تباريها في ذلك لغة سامية أخرى أو غير سامية، وتتميز في ذلك بالاطراد الصرفي شبه المنتظم كظاهرة صيغ الجمع مثلاً، ويزيد النّظام الصّرفيّ العربيّ في اطّراده من قابليّته للمعالجة الآليّة، وميكنة المعجم العربيّ، وتطوير نظم آليّة للإعراب الآليّ، والتّشكيل التّلقائيّ، فنظام الصّرف في اللّغة العربيّة يتمتّع بثراء اشتقاقيّ لا تدانيه لغة أخرى في العالم، ذلك وغيره كثير يجعلنا نعتزّ بلغتنا العربية، ونزهو بها، ولسنا وحدنا في هذا الاتجاه، فقد سبقنا الإغريق قديما في هذا، وكانوا يرون أنّ لغات غيرهم بالنسبة للإغريقية نباح كلابٍ، أو نقيق ضفادع، ويقدّس اليهود لغتهم العبرية فيحرمون الكذب بها، ويستحلونه بغيرها، وفي العصر الحديث لا يصدق الفرنسيون أن هناك في العالم من لا يعرف لغتهم، وإن كان فلا بدّ أن يكون جاهلاً متخلفاً لا يستحق الاحترام. وحين تولى الجنرال فرانكو حُكمَ إسبانيا عام 1939م، ولحظ أنّ مواطنيه يحسّون بمركب نقص تجاه تقدم أوروبا وتخلفهم، جعل وسائل العلاج إشاعة الاعتزاز، والزّهو بينهم بلغتهم القوميّة، وأنهم ليسوا في حاجة لمعرفة أية لغة أجنبية غيرها، وقصر التعليم على اللغة الإسبانية وحدها.

اللغة والحاسب:

عندما ظهر الحاسب آلة في أواخر الأربعينيات من القرن العشرين تحدث العلماء عن استخدامه المحتمل في مجالات التحليل اللغويّ والتّرجمة الآليّة، وقد باءت المحاولات الأولى بالفشل الذريع، وبدا أن ذلك مستحيل، ما لم تخضع اللغات قبل ذلك للتجريد الرياضي، والتنظير الدقيق، وهما الوسيلتان لدخول اللغة عالم المعالجة الآلية بواسطة الحاسب. وهكذا وضع (برتراند راسل) الأسس الرياضية لنظرية صوريّة للغات الرمزية، ثم جاء (نعوم تشومسكي) في نهاية الخمسينيات من القرن نفسه فوضع النموذج الرياضي للغات الإنسانيّة حين أدخل مصطلح النحو التوليديّ في علم اللّغة، وتطور على يده ورفاقه ليصبح نظرية ذات تأثير عظيم لا في علم اللغة فحسب، وإنما في الفلسفة وعلم النفس والفروع العلمية الأخرى المعنيّة باللغة.
كان تشومسكي يرى أنّ الملكة اللغوية فطريّة في الإنسان، ومظهر خاصّ بالجنس البشري تميزه عن الآلية وعن غيره من سائر الحيوان، وأن الإبداع اللغوي خاصية مميزة للبشر لكنّه إبداع يحكمه قانونٌ، وهو ما يبحثه النحو التوليدي.
تقوم النظرية التوليدية على دعائم أهمها:
أن الغاية من الدرس اللغوي ليست تحليل عينات الأمثلة، أو توصيف حالات الاطراد والشذوذ، أو وضع قائمة بمعايير الحكم على صحة الجمل، بل بوضع نحو توليدي رياضي للغة، يمكنه توليد جميع الجمل المسموح بها من قبل هذه اللغة بمجموعة من القواعد الرياضيّة.
وبينما شغل اللسانيون أنفسهم في الماضي بالبحث عن التباين اللغوي ركّز تشومسكي في أبحاثه على العموم اللغوي، وعلى القاسم المشترك بين اللغات للوصول إلى نحوٍ عام يفسر ظواهر التشابه والتباين بينهما، وبقدر ما حظيت نظريات تشومسكي من تأييد وترحيب على امتداد القرن العشرين واجهت في الوقت نفسه نقدا شديداً من فلاسفة اللغة وعلماء النفس إذ رموها بعدم الواقعيّة؛ لأنها أهملت وظيفة اللغة الاتصالية، وأبعادها الاجتماعية، وركزت على اللغة في صورتها المفترضة لا على تلك التي تمارس في الحياة العملية، ورأى علماء الحواسب أنها تسرف في تجريداتها وعمومياتها على نحو يجعل من الصعب استخدامها عمليّاً أساساً لتطوير نظم واقعية لمعالجة اللغة آلياً.
لقد خضعت اللغة للصياغة الإحصائية والرياضية، وجزئيّاً للتحليل المنطقي، وأصبح الطريق ممهداً لتدخل مرحلة المعالجة الآلية لتأكيد وصولها إلى مرحلة النضج العلمي.

العلاقة بين الحاسب واللغة بعامّة:

منذ ظهرت الحواسب في أواخر الأربعينيات توثقت صلتها باللغة وتأصلت في كلا الاتجاهين؛ لأن اللغة تجسّد –ببساطة– ما هو جوهري في الإنسان، وهو نشاطه الذهني بكلّ تجلياته. وفي الوقت نفسه اتجه الحاسب نحو محاكاة وظائف الإنسان وقدراته الذهنية، لقد صحبت ثورة التنظير اللغويّ تقنية في الحواسب لا تقل ثورية في تطبيق أساليب الذكاء الاصطناعيّ، وعلوم المعرفة وتقنيات الأعصاب على معالجة اللّغات الإنسانيّة بواسطة الحاسب بهدف إكساب هذه الآلة المهارات اللّغويّة من اشتقاق وتصريف وإعراب، واختصار وفهرسة، وتدرج هذا الالتقاء حتى بلغ درجة عالية من التّفاعل العلميّ والتقني على نحوٍ غير مسبوق حتى أنه أمل في أن يقوم الحاسب بكتابة نصّ أدبي يوماً ما.
مع التقدّم الواضح في علوم اللغة، والتقدم المذهل في مجال الحواسب بعامة وفيما يتصل باللغات خاصة تطلب تفجر المعرفة واتساعها استخدام وسائل آلية ذات كفاءة عالية لتنظيم هذا الفيض المتدفق من المعلومات وتنظيمها وتخزينها واسترجاعها وتوظيفها وزيادة كفاءتها.
إن تطور الحواسب لم يعد يقف عند حدّ، وبحسب المرء أن يتابع أبسطها (الهاتف المحمول مثلاً) فسيجدها تتقدم تقنية واستخداماً وحجماً وتكلفة وتخصصاً من شهر لآخر، فأصبح منها ما هو خاص بتشخيص الأمراض، وتقديم الاستشارات القانونية والفنية وكلها تتطلب القدرة على الحوار مع المستخدم (بكسر الدال) البشري بلغة سهلة تقترب من لغته الطبيعيّة، ولا يزال التقدم متواصلاً ويصعب تخيل إلى أين سوف ينتهي بنا!

وماذا عن اللغة العربية؟

بدءاً علينا أن نعترف أن تقنيات الحاسب الآلي اللغوية قامت لتلبي أصلاً المطالب الخاصة باللغة الإنجليزية من أجل الولايات المتحدة لا من أجل عيون بريطانيا، فمعظم لغات البرمجة مصمّمة بالإنجليزية، والشفرات المستخدمة لتبادل المعلومات صممت أصلاً للتعامل مع الأبجدية الإنجليزية، وهي محدودة في حروفها وفي أشكال هذه الحروف، وبهذه اللغة نفسها تم تخزين المعلومات واسترجاعها، والقسم الأكبر من مكتبة البرامج الجاهزة باللغة الإنجليزية، ومثلها معظم المصادر والمراجع والدوريات والبحوث على حين أنّ 90% من سكّان العالم الإنجليزية ليست لغتهم القوميّة. ولم يحدث ما يزحزح الإنجليزية من مكانتها هذه إلا عندما ظهرت اليابان قوى عالميّة، ولها لغتها الخاصّة وهي تعتزّ بها، وتحاول كسر سيطرة الإنجليزية على تكنولوجيا المعلومات بعامّة، والشبكة العنكبوتية بخاصّة، وفي سبيل ذلك تتزعّم الدول غير الناطقة باللغة الإنجليزية لتكوين حلفٍ قويّ يدافع عن مصير اللغات القوميّة في مواجهة الخصم اللغوي الأمريكيّ، وتعدّ التعامل تكنولوجياً مع لغات العالم المتعددة عاملا مهمّاً في كسر هذه السيطرة، ولكن علينا أيضاً أن نعترفَ بأن لغتنا القومية لا تحظى بالاهتمام الجديرة به، وأنها في ظل العولمة، وثورة المعلومات تتعرض لحركة تهميش نشطة بفعل الضغوط الهائلة الناجمة عن طغيان اللّغات الأجنبية وعلى رأسها الإنجليزيّة، وتشاركها في هذا لغات أخرى، وكلها تشنّ حرباً ضارية ضدّ العروبة والإسلام لشدّة الارتباط بينهما.
كما أنّ تعليمنا في كل مستوياته لا يعكس مدى أهمية اللغة العربية، لا في مناهجه ولا في سلوك أساتذته، ولا في أداء تلاميذه، وخلال عصر مبارك المخلوع فرضت قوى أجنبية- يعرفها كل الذين يعملون في وزارة التربية- رأيها لغايات في نفسها، حتى أنهم وضعوا على رأس اللجنة المكلفة بتطوير مناهج اللغة العربية مدرسة (هوايات وأشغال) توجهها لحساب الذين أتوا بها، وكانت صاحبة كلمة نافذة فوق الجميع، والنتيجة الحتمية أن التلاميذ لم يعودوا يقبلون على اللغة العربية حبّاً فيها، وإنما رغبة في اجتياز الامتحان آخر العام فحسب.
وتمادينا في التراجع والتبعية حتى بلغ الأمر أن جامعاتنا وهي القمة والأمل أنشأت في كليات الحقوق والتجارة والإعلام وغيرها أقساما كاملة تدرس فيها كل المواد، بإحدى اللغتين المذكورتين: الإنجليزية أو الفرنسية، مقابل نفقات عالية لا يستطيعها إلا أبناء الأغنياء، وأصبح لدينا تعليمان جامعيان: واحد للفقراء وآخر للأغنياء.
والتردي لا نهاية له، والسقوط ألوان، فلم نقنع بما حدث في جامعاتنا بل تركنا وجدان جانب كبير من شبابنا تحت سيطرة جامعات أجنبية كاملة متعددة تصوغه كيف تشاء: أمريكية وكندية وفرنسية وإنجليزية وألمانية، وكلها مستقلة لا تعرف الدولة ما الذي تدرسه لطلابها بلغاتها القومية، وهي تقدّم دراسات إنسانية فحسب: اقتصاد، وإعلام، وفلسفة، وسياسة، وما يتصل بهذا، ولكنها لا تدرس علوماً بحتة من طبّ وهندسة وصيدلة، والسبب واضح لأنها في المجالات الأولى تكوّن الطالب إنسانياً، وتصوغه كيف تشاء، ويجئ ولاؤه للمبادئ التي تعلمها، أمّا العلوم البحتة فمحايدة، وهي في نهاية المطاف تقدم للوطن إضافات جديدة نحن في أشدّ الحاجة إليها.
نحن نشكو من أزمة لغوية حادّة على جميع الأصعدة تنظيراً وتعليماً نحواً ومعجماً، إبداعاً ونقداً، ونعاني حالة مزمنة تتمثل في غياب إرادة الاهتمام باللغة، وعجز الحكومة عن حمايتها وتنفيذ ما صدر من تشريعات خاصّة باستخدام اللغات الأجنبية في لافتات المحلات العامة، والإعلانات ومخاطبات المصارف، ويتجلّى عدم الجديّة واضحاً حين تقارن بين توصيات مجامع اللغات العربية في دوراتها المتعددة بالقاهرة ما يتخذ منها نظريا وما يطبّق واقعاً فسوف تجد: لا شيء مما قيل أخذ طريقه إلى التنفيذ.ثم جاءت تكنولوجيا المعلومات لتضيف إلى هذه الأزمة بعداً فنياً متعلقاً بمعالجة اللغة العربية آليّاً بواسطة الحاسب.
نتيجة أزمتنا اللغوية وقلة المعرفة بالتطورات الحديثة في مجالات اللغة في العالم المتقدم فيما يتصل بالرياضيات الحديثة والمنطق الحديث والحواسب اللغوية وجدنا أنفسنا ونحن نواجه هذه الآلية الجديدة البالغة الدقة والتعقيد والنفع ومع عجز العقل العربي عن الابتكار والاختراع أننا – حين نواجه أنفسنا بصراحة وبدون لفّ أو دوران نقف على حافّة المعرفة بهذه التقنية دون أن نغوص إلى أعماق أبعادها، ورغم كل الجهود التي بذلت ولا تقوم على أسس علمية جادة فإن ما توصلنا إليه حتى الآن لتعريب الحاسب الآلي لا يخرج في مجمله عن طباعة النصوص بالعربية، وإظهارها على الشاشة.
إنّ استيعاب العربية في نطاق تقنيات صمّمت أصلاً لتخدم اللغة الإنجليزية عملية خاطئة من أساسها؛ لأن العربية وهي أعقد اللغات السّامية، والإنجليزية وهي أبسط اللغات (الهندوأوروبية) طرفاً نقيض في معالجة اللغة آلياً، ومع ذلك تمّ هذا العمل لدوافع اقتصاديّة، وكان وراءه لهفة موردي المعدات والبرمجيات على الربح، وفي سبيل ذلك خضعت العربية للطرق التعسفية حتى تستجيب للقيود التي فرضها النموذج الإنجليزي إما بالتحايل حول هذه القيود على حساب المستخدم، أو التّرخص في بعض خصائص اللّغة العربيّة، كتقليل أعداد أشكال الحروف، إغفال الشّكل في الكتابة العربيّة، وتجّنب قواعد الإعلال والإبدال، وجوانب أخرى متعدّدة.
إنّنا الآن على الرّغم من كل النوايا الطيبة، وكثرة المؤتمرات والندوات واللجان والتوصيات لا تزال جهودنا قاصرة عن الإفادة من منجزات التقدم العلمي في مجال الحاسبات، ولا يزال البعض من علمائنا المهندسين كسلانا يفكر في تطويع اللغة العربية لتستجيب لمتطلبات الآلة التي صنعت في الولايات المتحدة لخدمة اللغة الإنجليزية حتى لو أساء ذلك إلى قواعد العربية، قواعد وبناء بدل أن يفكر في ابتداع آلة تستجيب لمطالب لغتنا متجاهلاً ما صنعته اليابان وكوريا والصّين، وحتى إسرائيل. ولا يزال مختصون من علماء اللغة العربية وعلماء الهندسة في جملتهم بمعزل عن تطورات الحاسب الآلي والشبكة العنكبوتية وهي تتطور على نحوٍ فائق السرعة، وتنجز كل يوم جديداً حتى يمكن القول: إن ثمة قطيعة بين معظم علماء العرب وعلم الحاسبات، ويكفي أن أشير أن مجمع اللغة العربية الموقّر في القاهرة لا يضمّ بين أعضائه متخصصاً واحداً في هذا العلم على المستوى اللغوي أو التقني، وليس بين لجانه المتخصصة لجنة واحدة تختصّ بهذا الأمر، بداهة لا أعني تعريب المصطلحات الخاصة به؛ فالمجمع يقوم في هذا بجهد مشكور، ولكنّي أعني دراسة كيفية الإفادة منه، وقد فشلت جهود الطيبين على امتداد سنوات مضت في سدّ هذا النقص.
إن مهمّة المثقف الوطني الحق المؤمن بوطنه ورسالته بالغة الصعوبة في هذه الأيام؛ لأن عليه أن يتصدى للسلبية واللامبالاة وأن يواجه تشتت الرأي، وفقدان الثقة، وأن يتصدى لأزمة اللغة العربية تنظيراً وتعليماً واستخداماً، وأن يتبنّى في قوّة سياسيّة لغويّة قوميّة تنهض بالعربيّة وتعيدها إلى سابق أمجادها، وتلحقها بتطورات العصر، فاللّغة الوطنيّة المحترمة في بلدها وبين قومها المتقدّمة والمتطورة في المدخل الطبيعيّ، والطّريق الأقصر إلى نهضة ثقافية شاملة، وهي الوسيلة إلى الإفادة العالية من تكنولوجيا المعلومات، وثقافة العصر، وأن يدرك ما تعنيه هذه بالنسبة له ولعصره، وأن يتقن استخدامها وإلا بقي في نهاية الصفّ متخلفاً يعاني فراغاً ثقافياً لا حدّ له.
لقد أنهت ثورة 25 يناير دور مثقف السّلطة (وهم يمثلون الأغلبية) البارع في تشويه الواقع، وتلميع الحاكم، ووأد الأصيل، والبديع والمخالف المتمرس في مقايضة نتاج الأقلام، وزرع الأوهام باحتلال المناصب، الآكل على كل الموائد، الراقص على كل الأنغام، محتكر المنابر، المستأثر بسلطة المعرفة، ومنافس الحكام في تكوين الثروات وبناء العمارات، وهم الآن معروفون بتاريخهم الملوث، وجرائمهم الفاضحة وإن كانوا لا يخجلون كما فعلوا، ولديهم من البجاحة مما يجعلهم يواصلون اللعبة نفسها، فهم لا يزالون يكتبون في الصحف، ويطلّون علينا من قنوات التليفزيون ذاتها كأنهم لم يرتكبوا من قبل أيّ جرم!
العربيّة الآن في حاجة إلى علماء جدد لعصر جديد، ومطلوب من جامعاتنا ومراكز البحوث عندنا ألا تتجاهل ثورة علوم اللّسانيات التي تحرّك العالم، وتتقدّم في سرعة، والعالم يلهث وراءها منذ منتصف القرن الماضي.
وأتجه بفكري إلى جامعة القاهرة متطلعاً إلى كليتين عريقتين لهما تاريخ مجيد: دار العلوم والهندسة في عمل مشترك يخطط أوّلا لهذا الأمر: الحاسب واللغة العربية على أن تدعم الدولة والجامعة هذا الأمر مادياً ومعنوياً، توفر لهما البعثات اللازمة، والاتصال الشخصي بالمراكز المتقدمة، وترعى من يضطلعون بهذا الأمر، ومثل هذا العمل أليقُ بدار العلوم، وهي به أجدر من قيام بعض مدرسي اللّغة فيها بنشاط يتّصل بإعداد طلابهم للأعمال الصحفيّة التي لا تتصل باللّغة، وفي مواجهة مبنى دار العلوم مبنى آخر اسمُه كليّة الإعلام هذه وظيفته!
أتمنّى وفي هذه المرحلة من العمر لا أملك لقومي ووطني ومعهدي غير التمني !

(الهلال، مايو، 2012م)

الاثنين، 2 يونيو 2014

التوحيدي يُبعَث في القاهرة.



         عرفت مصر منذ باكر نهضتها الحديثة أهمية التراث ودوره في التذكير بالماضي، وبناء الوجدان القومي، وتقديم المثل والقدوة للناشئة، والخروج بالمواطن من دائرة العدم والتفاهة اللذين سقطت فيهما اللغة والأدب، حين فقدا التواصل مع المنير من التراث، وغرقا في هموم الواقع المثقل بالظلم والجهالة والتخلف على امتداد العصر العثماني.
كان الاهتمام بالتراث يتحرك على محاور عدة : نشره ذخائر ومصادر، فطبعت مطبعة بولاق في أول نشأتها، وتلتها دور نشر أهلية : كتاب الأغاني، ولسان العرب، ونفح الطيب، وكتب الجاحظ، والعقد الفريد لابن عبد ربه، ومن بعدها وقفت دار الكتب جهدها على تحقيق بعض ما صدر تجارياً وزادت عليه تحقيقاً علمياً، شاع وراج في شتى أنحاء الوطن، وأصبح قدوة ونموذجاً ويضرب به المثل، وما زال حتى يومنا تصوره دور الطباعة في العواصم العربية، دون أن تشير إلى المكان الذي حقق فيه في كثير من الأحيان، وفي مقدمة هذه الكتب : الأغاني، وصبح الأعشى، ونهاية الأرب، وإنباه النحاة، وديوان مهيار الديلمي، وتفسير القرطبي، وغير ذلك كثير.
وكان المحور الثاني، العودة إلى تدريس هذا التراث، في أفضل نماذجه، في المؤسسة التعليمية الوحيدة التي كانت قائمة في مصر في ذلك الوقت، وأعني بها الأزهر الشريف، فكان سيد المرصفي يدرس كتاب الكامل للمبرد في الأزهر لطلابه، وشرَحَه، وعلق عليه، شرح ما غمض من ألفاظ شعره، وفصل القول في ما أجمل مؤلفه، وأكمل ما اجتزأ من قصائده، ونشر ذلك كله في كتاب أعطاه عنواناً : "رغبة الآمل من كتاب الكامل"، ونشر في ثمانية مجلدات عام 1346هـ ـ 1927م، وهي طبعة جيدة، ولكنها لما تتكرر رغم نفادها من السوق كُليةً من زمن بعيد.
وكان الإمام محمد عبده يدرس لطلابه في الأزهر الشريف، الذين يتحلقون حوله راغبين في الرواق العباسي، كتابي (أسرار البلاغة) و(دلائل الإعجاز) لعبدالقاهر الجرجاني. ولا تقتصر على الطلاب، وإنما يحضرها صفوة المثقفين إذ ذاك، أذكياء الطلاب والعلماء والمدرسين في الأزهر والمدارس، بدل الكتب التي ألفت في عصر التخلف وامتزجت بالمنطق، وتحجرت أمثلتها، وأصبح فهمها عبئاً على الدارس. فضلاً عن أنها لا تربي ذوقاً، ولا تقوّم أسلوباً، وقد قام الإمام محمد عبده بتصحيح الكتاب، وأشرك معه في ضبط لغويات (دلائل الإعجاز) ونصه، محمد محمود التركزي الشنقيطي، وهو عالم موريتاني اتخذ من مصر مقاماً، وشُغل فيها بالمخطوطات، نسخها وتصحيحها واقتنائها ثم أهداها من بعد لدار الكتب المصرية، وصدرت الطبعة الأولى من الكتابين عام 1321هـ ـ 1901م، وهي طبعة لا تزال رائجة؛ لأن عليها اسم الإمام، وإن كان العالم المحقق الأستاذ محمود محمد شاكر، حقق دلائل الإعجاز في عمل علمي لا يعلى عليه، ولا تحل أية طبعة أخرى مكانه.
وكان المحور الثالث من هذا الاهتمام الاحتفال برجالات الأدب والثقافة واللغة في القديم والحديث، فاحتفلت في أواخر العقد الثالث احتفالاً مهيباً على مستوى قومي، وافاه كل العرب بمبايعة شوقي بإمارة الشعر. وأقامت مؤتمراً حاشداً على مستوى قومي وعالمي لدراسة الموسيقى العربية في بداية العقد الرابع، وهو مؤتمر لم يتكرر مرة أخرى، ولا تزال أبحاثه جديدة لم تفقد شيئاً من جدتها حتى يومنا هذا. ولا نكاد نقترب من نهاية هذا العقد، حتى تحتفل بمرور ألف عام على وفاة المتنبـي احتفالاً غير مسبوق، شغل الصحف والمجلات والمفكرين والأدباء طوال عام كامل.
وفي منتصف العقد الخامس كان الاحتفال بفيلسوف المعرة، ندوات ومحاضرات ودراسات، ونشرت تراثه محققاً، ويسرته لجمهور القارئين بأسعار زهيدة على امتداد الوطن العربي كله، وما بين يدي القراء الآن في كل مكان، هو حصيلة تلك الأعوام تحقيقاً وطبعاً. وبعد المعري جاء الدور على الصوفي الأندلسي ابن عربي، في آخر العقد السادس، إبان الوحدة المجيدة مع سوريا، وإيثاراً لها، ولأن ابن عربي لقي الله على أرضها، واحتوى ترابها جثمانه، تم الاحتفال في دمشق، وشارك فيه باحثون عرباً ومستشرقين.

الاحتفاء بالتراث :

سلسلة متواصلة ومتماسكة من الاحتفاء بالتراث، كان ضرورياً ومن المفيد ألاّ تتوقف، ولكن محنة الانفصال، وضراوة الهزيمة بعده، وحرب التحرير، ومقاومة الحصار الاقتصادي المفروض على مصر، ومواجهة الأعداء، شغلنا عما كان يجب ألاّ نُشغل عنه، عن الثقافة ومتطلباتها. كما أن حركة التخريب القومي التي تولاها أعداؤنا، بإشاعة روح الفرقة والبغضاء بين الحكومات العربية، ودور القوى الأجنبية في ربط الثقافة - وهي مستقرة وثابتة - بالسياسة - وهي متغيرة ومتقلبة - وعملها بكل ما أوتيت من قوة، وبمساعدة بعض الحكام العرب أحياناً، على إضعاف دور مصر ومكانتها الثقافية، أدى إلى نتائج مروعة في هذا فانكمشت مصر على نفسها زمناً، وعجز الآخرون عن ملء مكانتها والقيام بدورها، وتحولت الثقافة من عمل قومي مشترك بين العرب جميعاً، إلى عمل محلي، يأخذ طابعاً إعلامياً محلياً وقتياً هزيلاً؛ لأن العامل الإيجابي في ندوة أو مؤتمر دراسي أن تتوافر له حرية الفكر والبحث والقول بلا حدود، وهو أمر لا يتوافر في غير مصر (باستثناء سنوات الحرب بالطبع).

بداية صحوة ثقافية :

كان اختيار أبي حيان التوحيدي لهذه الندوة الدراسية بداية موفقة لصحوة ثقافية نأمل أن تتواصل وأن تمتد إلى بقية جوانب الحياة عندنا، فلا نترك العبء على المجلس الأعلى للثقافة وحده، وإنما يجب أن تسهم فيه الصحافة والإذاعة مسموعة ومرئية. وقبل ذلك كله وزارة التربية والتعليم، وهي في حاجة إلى هزة عنيفة، تحرك جامدها، وتدفع بدماء جديدة في بدنها المترهّل، والشيء نفسه يمكن أن يقال عن الأقسام والكليات التي تعنى بالأدب واللغة في جامعاتنا المختلفة؛ لأن البداية تكون من هناك، من المدرسة الابتدائية، وفي القرية المصرية بالذات.
لم يجئ اختيار التوحيدي لهذا الحفل اعتباطاً، فقد كان الرجل صاحب مدرسة في الأسلوب، ومذهب في القول، ومنهج في التفكير، وأول ما نلاحظه أنه كان عالماً بدقائق الأسلوب الرائع، وقادراً عليه، غير أننا نكاد لا نلاحظ في أسلوبه ذلك التكلف الذي نجده عند غيره من الأدباء.
ولم يكتب في النثر العربي بعد أبي حيان ما هو أبسط وأقوى وأشد تعبيراً عن مزاج صاحبه مما كتب أبو حيان، ولكن الجمهور كان يميل إلى طريقة الآخرين في البديع، فيجري عليها ويعظّم أصحابها. ولقد كان أبو حيان فناناً غريباً بين أهل عصره، وكان يعاني وحشة من يرتفع عن أهل زمانه، ويتقدم عليهم وهو يقول : "فقدتُ كل مؤنس وصاحب، ومرفق ومشفق. والله لربما صليت في المسجد، فلا أرى جنبـي من يصلي معي، فإن اتفق فبقّال، أو عصار، أو ندّاف، أو قصاب. ومن إذا وقف إلى جانبـي أسدرني بصنانه، وأسركني بنتنه. فقد أمسيت غريب الحال، غريب النحلة، غريب الخلق، مستأنساً بالوحشة، قانعاً بالوحدة، معتاداً للصمت، ملازماً للحيرة، ومحتملاً للأذى، يائساً من جميع من ترى، متوقعاً ما لا بدّ من حلوله، فشمس العمر على شفا ، وماء الحياة إلى نضوب، ونجم العيش إلى أفول".
تدور مؤلفات التوحيدي حول قضايا عديدة شغلت المفكرين على أيامه، أبرزها الفلسفة في معناها العام، فهو يشغل بالجمال، والانفعال بالفن، والإدراك الجمالي، واستوعب ما عرف من الفلسفة اليونانية والمنطق على أيامه. وكان وثيق الصلة بمؤلفاتها، ينقل عنها كثيراً، ويذكر أسماء الفلاسفة والكتب، ويدافع عنها، ويرى الفقه والدين في حاجة إليها.

ذوق عالٍ في فهم الفن :

وهو متمكن من اللغة، وتمتلئ كتبه بمسائلها نحواً ومشتقات ولغة، دون أن يكون صاحب مذهب متميز يرتفع به إلى مستوى الأعلام في هذا الباب، ولم يكن شاعراً، ولكن الأشعار التي زحم بها كتبه، ولا سيما في (الصداقة والصديق) تدل على ذوق عالٍ في فهم الشعر وتقييمه، وكان معجباً بابن المعتز فنقل عنه كثيراً وأثنى عليه.
في الجانب الديني، نعرف أنه درس المذهب الشافعي، لكن معرفتنا بشخصه، ومن خلال تراثه، تجعلنا نحكم بأنه كان يرى نفسه أكبر من أن يقلد مذهباً بعينه، ولذلك لم يتخذ أي مذهب من المذاهب التي كانت سائدة في عصره هادياً يهتدي به، وهو على أية حال لم يتصدر للفتوى، ولم يشغل نفسه بالمسائل الدينية في أيامه الأولى، شاباً ورجلاً ناضجاً، ومع أنه كان معتزلي المذهب، وأحسب أن لقبه التوحيدي جاءه من هنا، فقد كان المعتزلة يُسمَّوْن أهل العدل والتوحيد، لم يكن له رأي مستقل في هذا المجال ينسب إليه، ويعيب على المتكلمين منهجهم، وينتقص طريقتهم في البحث والاستدلال، ويفضل الفلسفة عليها، ويحمل على علم الكلام، يعقب على عجب أحد المعتزلة من أن أهل الجنة لا يملون الأكل والشرب والنكاح فيقول : "والكلام كله جدل ودفاع، وحيلة وإبهام، وتشبيه وتمويه، ومخاتلة وتورية، وقشر بلا لب، وأرض بلا ريع، وطريق بلا منار، وورق بلا ثمر.. المبتدئ فيه سفيه، والمتوسط شاكّ، والحاذق متهم، وفي الجملة آفة عظيمة، وفائدته قليلة".
وكان إلى جانب ذلك جميل الخط، فلم يجد - وقد جاء إلى الحياة في أسرة مغمورة مجردة من كل مقومات الحياة - طريقاً يكسب منه لقمة العيش إلاّ أن يعمل ورّاقاً ينسخ كتب الآخرين , قد كرهها، ورآها شؤماً، وحاول أن يتخلص منها، وأن يسلك طرائق رجال العلم والأدب العظام حوله، فيعفيه من هذه المهنة المتواضعة، وييسر له طيباً من العيش، ولكنه لم يوفق أبداً، وفشل في أن يجد له مكاناً لدى الوزراء الثلاثة الذين شهروا برعاية الأدباء في عصره وهم : أبو الفتح بن العميد، والصاحب بن عباد، وابن سعدان؛ لأن اعتزازه بعمله كان كبيراً، أورثه كبرياء عالية، حالت دون أن يحني رأسه أو يرضى الدنية لشخصه.
في أواخر حياته، وقد أجهدته رحلة الحياة البائسة، وأنهكه الاصطدام بالمجتمع حوله، أفراداً وعادات وسلوكاً، سلك الطريق الذي سلكته ملايين البشر قبله، حيث يجدون الراحة في الرضا والأمن في القناعة، والسعادة في الزهد عما في الدنيا من متع وطيبات : تصوف، خالط الصوفية في شيراز، وأخذ بحياتهم واستقر بينهم إلى أن لقي الله.

حرق الكتب :

وقبل أن يرحل عن دنيانا هذه أحرق كتبه، فلما عذل في ذلك قال : "إني فقدتُ ولداً نجيباً، وصديقاً حبيباً، وصاحباً قريباً، وتابعاً أديباً، ورئيساً منيباً، فشق عليّ أن أدعها لقوم يتلاعبون بها، ويدنسون عرضي إذا نظروا فيها.. وكيف أتركها لأناس جاورتُهم عشرين سنة، فما صح لي من أحدهم وداد، ولا ظهر لي من إنسان منهم حفاظ. ولقد اضطررت بينهم، بعد الشهرة والمعرفة، في أوقات كثيرة - إلى أكل الخضر في الصحراء، وإلى التكفف الفاضح عند الخاصة والعامة، وإلى بيع الدين والمروءة".
عاش أبو حيان حياته بائساً خشن المضجع، نزر المال. كلما غالب الأيام غلبتْه، وكلما اتصل بحامي أدب من الوزراء عن قرب تنكر له، وقد أكسبه الفقر أخلاقاً سيئة، فكان عيّاباً، سليط اللسان، قليل الرضا، طمّاعاً، شديد الرغبة في عطاء العظماء، يشتكي صرف زمانه، ويبكي قسوة حرمانه، ذم أهل زمانه، وعابهم بنقص الدين والبخل وضعف المروءة، إذا غضب نسي المودة، وسلط على مواجهه لسانه مرةً، وقلمه أخرى، هجاءً وثلباً.
كان عظيم الثقة في علمه، وأكسبه تأمل واقعه المرير حقداً أسود على الناس والدنيا، فإذا يئس من عطائها استشعر الغنى عما في أيدي الناس، ودعا الله أن يصون وجهه عن الحاجة إليهم، والطلب منهم، ولكي يعزي نفسه ذكر في كتابه المحاضرات ألواناً من بؤس الأدباء وشكاياتهم.
وكان وراء التفكير في الاحتفال بأبي حيان أنه مفكر فذّ، وكاتب مقتدر، الكثير من أفكاره لما يفقد بريقه، لا سيما ما اتصل منها بتحليله الدقيق لطبيعة الإنسان، أو نقده لسلوك الأفراد في عصره، وتقييمه لحركة المجتمع في أيامه، وهي بأيامنا أشبه، وخروجه عن المألوف من الكتابة في زمنه، حين حاول أن يربط بين فكره والحياة، وأن يعلي من شأن الفكرة، وأن يجعل الجملة وعاءً لها، من المهم أن تكون جميلة، ولكن اصطناع الزخرفة، والإغراق فيها تكلف يذهب بجمال التعبير. وهو صورة حية للعالم المستنير المجدد، الذي يعيش زمنه، ولا يدير ظهره لما استجد فيه، نقدمه لشبابنا نموذجاً لما كان عليه عالم عربي منذ ألف عام من الزمان.

بحوث جيدة :

جاء الاحتفال بمستوى المحتفى، وبمستوى مكانة مصر الثقافية. وتوافد عليه علماء من كل أطراف الدنيا، من أستراليا حتى الولايات المتحدة، مروراً بأوروبا والعالمين العربي والإسلامي. وغطت الأبحاث معظم جوانب فكر التوحيدي وحركة حياته، وجاءت في جملتها جيدة، وتميز بعضها، لكن جانبين لم يعرض لهما أحد من الدارسين :
أولهما : نفسية التوحيدي في ضوء الجانب السيئ من أخلاقه، ووضاعة أصله، وسوء عيشه، ودور هذا في تذبذب سلوكه بين الضعة والتعالي، والنهم إلى الغنى والترف، والانصراف عنهما - بعد يأس - إلى الزهد والتصوف.
وثانيهما : هذا الضرب من المجون الصراح، الذي كان يختم به بعض أسماره مع الوزير ابن سعدان، والنكات الجنسية التي يوردها عارية دون أن يكني أو يداري، فلا أظنه يأتي بها فكاهة أو تسلية، ولا يكثر منها تظرفاً، وإنما يحاول معها - فيما أرى - أن يصدع الجدية المصطنعة، وأن يمزق أستار الوقار المزيف، الذي ترتديه شخصيات، هي في واقعها ليست كذلك، وأن يهزأ بـ(تابو) الجنس، وأن يجعل منه موضوعاً عادياً، يحتمل الحوار، ويدور حوله الحديث، علانيةً وبصوت مرتفع، حتى في المجالس الأدبية العالية. وهو في هذا الجانب لا يصطنع وقاراً، ولا يتحفظ إزاء أمر يراه من سنن الكون الطبيعية. ومن هنا كان تقييده لها في مؤلفاته، ولو كانت لمجرد التسلية الوقتية، والإضحاك العابر، لاكتفى بها قولاً، ولما قيدها كتابةً.
تخلل إلقاء الأبحاث - وكانت تشغل الصباح والمساء في مكتبة القاهرة الكبرى - أسئلة وتعليقات، من جمهور المستمعين، وكان كبيراً.
أما الأسئلة، وجاءت من عامة المستمعين، فلم تكن ذا شأن في جملتها، وهو أمر طبيعي؛ لأن التوحيدي قبل أن يبعثه هذا الحفل كان منسياً، رغم أن مصر اهتمت بتراثه وبدأت تنشره منذ مطلع هذا القرن، ولكن هذه المؤلفات المنشورة ولاسيما المحقَّق منها، وكانت أسعارها زهيدة، نفدت من زمن طويل، والموجود منها طبعات لبنانية، ليست موضع ثقة علمياً، وغالية الثمن، فهي فوق طاقة المشتري العادي، وإنه لشيء محزن أنك لا تجد في المكتبات شيئاً من مؤلفات أبي حيان التي حققها مصريون ولا شيئاً مما كتبوه عنه، لا كتاب د. زكريا إبراهيم، ونشر في أعلام العرب، ولم يكن ثمنه يتجاوز خمسة قروش، ولم يطبع غير طبعته الأولى عام 1965. ولا كتاب د. أحمد الحوفي، وكانت طبعته الثانية والأخيرة عام 1964، وهو كتاب أثنى عليه الدكتور طه حسين ثناءً مستطاباً في مقالة شهيرة نشرها في صحيفة أخبار اليوم (28/11/1964)، وأعاد نشرها في كتابه (خواطر)، والأسئلة المرتجلة في القضايا العلمية التي لا تصدر عن معرفة تجيء هذراً في الأعم الأغلب.
وكانت التعليقات أقل وأعمق. ولا يستطيع المرء أن يمر بتعليقين مر الكرام : أولهما كان من أ. د. فاطمة موسى أستاذة الأدب الإنجليزي في كلية الآداب في جامعة القاهرة، وجاء احتجاجاً قوياً على ربط بعض الباحثين العرب بين التوحيدي وعدد من المفكرين الأوروبيين أمثال : هيجل، وكافكا، وكيجارد وآخرين، دون مناسبة أو علاقة حقيقية، ودون مبرر في كثير من الحالات. وحتى دون نطق أسماء هؤلاء الأوربيين نطقاً صحيحاً، مما يعني أن المتكلمين لا يجيدون هذه اللغات، وإنما ينقلون عن باحثين آخرين دون تمكن. وكان معها الحق فيما قالت.

إحسان عباس الشيخ المحنك :

وجاء التعليق الجيد الثاني من أ.د. إحسان عباس، حين رأى جنوح بعض آراء الباحثين إلى المغالاة في الاستنتاج، أو اعتماداً على نظرة مجتزأة، تعتمد على بعض تراث التوحيدي دون أن تأخذ في الحسبان نتاجه كله، فحث - وهو الشيخ المحنك - جمهرة الباحثين على اتباع المنهجية في أبحاثهم، وهي تقتضي ألاّ ننسب إلى التوحيدي رأياً أو فكرة في ضوء مؤلَّف واحد من مؤلفاته، دون أن ننظر إليه في ضوء بقية مؤلفاته الأخرى؛ لأن بعضها يكمل بعضاً.
وحذر من الاعتماد على الكتب التي نُشِرت ناقصة من مؤلفات التوحيدي. وفي إشارة بعيدة، ولكنها واضحة، أسقط أهمية كتابين حُقِّقا في مصر، أولهما كتاب (الإشارات الإلهية)، للتوحيدي وحققه أ.د. عبدالرحمن بدوي، وصدرت طبعته الأولى في القاهرة عام 1950، والثانية في الكويت عام 1981؛ لأن الطبعة التي حققتها الدكتور وداد القاضي وصدرت عن دار الثقافة في بيروت عام 1973 بها زيادات هامة لا توجد في النسخة التي حققها الدكتور عبدالرحمن بدوي.
كما أن النسخة التي حققها الأستاذان أحمد أمين وأحمد الزين لكتاب (الامتناع والمؤانسة) وصدرت في القاهرة في ثلاثة أجزاء أعوام 1939، 1942، 1944 ناقصة لأن مخطوطة مكتبة الأمبروزيانا في ميلانو تضم زيادات هامة، ويشير الدكتور إحسان عباس إلى أنه قد اطّلع عليها، تاركاً السامع يفهم أن ذلك كان في ميلانو، مع أن مصورة لهذه المخطوطة موجودة في معهد المخطوطات في القاهرة، وأعتقد أنها التي اطلع عليها الباحث الكبير، والحق أن الدكتور إحسان عباس نخل مخطوطات المعهد في دقة وعلى مهل، وأفاد منها بلا حدود.
أقول ذلك، وأتوجه إلى المجلس الأعلى للثقافة بأن يحيي موات تحقيق التراث، لنعيد لبلدنا دوره الرائد في هذا الجانب الهام من الحياة الثقافية بعد أن قبرته الهيئة العامة للكتاب ومعهدها، لا عن طريق الجوائز والمسابقات التي يقدمها كل عام، وإنما عن طريق خطة طموح يتبناها، تكون معادلاً لخطته الطموح في مشروع الترجمة، وألاّ يقف الجهد عند تحقيق المزيد من التراث فحسب، وإنما أن يعيد النظر أيضاً في إعادة تحقيق ما حقق في النصف الأول من هذا القرن في ضوء المخطوطات الجديدة التي ظهرت، والتي تظهر كل يوم، واكتشاف الجديد فيها لا يتوقف، ومع تقدم تقنية التصوير فإن الحصول على أي مخطوط ولا سيما عن طريق رسمي لم يعد عسيراً ولا مكلِّفاً.
إلى جانب ذلك كله، كان التخطيط للاحتفال محكماً، والتنفيذ رائعاً، وتجلى ذلك واضحاً في استقبال الضيوف وإنزالهم، وفي انتظام الندوات في مواعيدها، وإخال الذين شاركوا ودّعونا راضين ومغتبطين، وبرهن الاحتفال من أوله إلى آخره على أننا قادرون على أن نصنع شيئاً عظيماً حين نضع الرجل المناسب في المكان المناسب.
ويبقى سؤال أخير.. أين كان التليفزيون المصري من كل ما حدث ؟ كان غائباً تماماً، لسبب لا يدريه أحد غير رجال التليفزيون.
المصدر: مجلة الهلال11 /1995م

الثلاثاء، 13 مايو 2014

صفحات من تجربة الدكتور الطاهر أحمد مكي.


المصدر: جريدة الصباح.
حوار/ أبو الحسن الجمّال
             إن الحديث مع الطاهر أحمد مكي حديث من القلب، رجل أخلص للبحث العلمي منذ أن وعى وحتى كتابة هذه السطور، لا يكل و لا يمل، فهو واحدٌ من الدرعمين الذين أثروا حياتنا بالعديد من الأعمال الجليلة التى مازالت تؤثر فى حياتنا الأدبية، بقيمتها وعظمتها وروعة إبداعها.
 ولد الطاهر أحمد مكي بمدينة إسنا بمحافظة قنا فى السابع من أبريل 1924م، تخرج في كلية دار العلوم بجامعة القاهرة مع مرتبة الشرف 1952م ، ثم حصل على الدكتوراه بامتياز فى الآداب والفلسفة بتقدير ممتاز من كلية الآداب بمدريد 1961م، فهو من الرعيل الأول الذين درسوا الأدب الأندلسي فى عقر داره، منهم: محمود على مكي، وأحمد هيكل، وغيرهم..
 عمل مدرساً، فأستاذاً مساعداً، فأستاذاً، فرئيسا لقسم الدراسات الأدبية، فوكيلاًً للكلية للدراسات العليا والبحوث في كلية دار العلوم ..
 أثرى المكتبة العربية بالعديد من الأعمال القيمة وتنوعت من التأليف والترجمة والإبداع والترجمة فى كل العصور الأدبية القديمة والحديثة، الشعر والنقد والقصة والرواية  من أشهرها: “امرؤ القيس حياته وشعره”، و”دراسات فى مصادر الأدب”، و”دراسات عن ابن حزم وكتابه طوق الحمامة”، و”ملحمة السيد”، و”القصة القصيرة: دراسات ومختارات”، و”الشعر العربي المعاصر، روائعه ومدخل لقراءته”، كما ترجم عن الفرنسية “الحضارة العربية فى أسبانيا “للمستشرق ليفي بروفنسال، وعن الأسبانية أعمال كبار المستشرقين من أمثال: “غومث”، و”ريبرا” من أشهرها: “مع شعراء الأندلس والمتنبي”، لغرسيه غومث، “التربية الإسلامية فى الأندلس لـ”خوليان ريبيرا” كما أنه عضو فى العديد من الهيئات منها: مجمع اللغة العربية بالقاهرة، وعضو مجلس إدارة دار الكتب المصرية وغيرها ..
 وكان الهروع إليه فى دوحته بين كتبه وأبحاثه، يستنشق عبير الذكريات ويستقبل أصدقائه وأبنائه الدارسين، يجيب عليهم في تواضع جم، وتحدثنا معه عن مشكلات الأدب والأدباء اليوم وعن ذكرياته الأندلسية وعلاقته بالمستشرقين وعن تحقيق التراث العربي وهمومه.
لماذا غابت القدوة الأدبية اليوم عما ذي قبل؟
- تراجعت فى مصر أشياءً كثيرة ومنها الأدب والإنسان ثمرة التكوين والتربية والمناخ  والعظام الذين سبقوا الثورة ، ونقتدي بهم ونراهم، تكونوا على ثقافة حقيقية فى مناخ ديمقراطي أو بمعنى (الأدب لم يكن مؤمما) وإذا أردنا أن ننهض ونستعيد مكانتنا فيجب عمل الأتي:
1)    ثقافة حقيقية يتربى عليها الأديب.
2)    طموحات عظمى يحلم بها الأديب.
3)    مناخ ديمقراطي يسمح له بأن يعبر عن هذه الطموحات الكبرى فيجيء تعبيره
يمثل الطموح الذى يصبو إليه ..
 وفى غياب الأصيل، تسود البضاعة الفاسدة عند غيبة البضاعة الجيدة ولكي تظهر شخصية أدبية عظيمة لابد أن تتغذى غذاءً جيداً، فالغذاء ملوثاً ويأتي الناتج ملوثاً، وهناك هيئات كثيرة تشجع هذا التلوث، لا تريد فكراً قوياً، وإنما تريد أنصاف المثقفين الذين يشترون بمبالغ زهيدة لا تكلف كثيراً..
  ومن مظاهر الديمقراطية التى نفتقدها حرية تكوين الأحزاب، كما أن الجمعيات الأهلية تعانى من التضييق ومن الرقابة وقبل ذلك كله وبعد لا يمكن أن تنهض فى ظل الأحكام العرفية ونحن منذ عام 1981م نعيش الأحكام العرفية ..
لماذا انحدر تحقيق التراث على هذه الحالة المزرية؟
يتوازى مع النهضة العملية والأدبية ، بعث التراث القديم، وقد أفرزت مصر مدرسة تحقيق قديماً، عدداً لا بأس به من الأساتذة: مصريون وعرب تربوا فى مصر، ولكن أصابها ما أصاب قواعد التحقيق وقد ودعنا منذ عشر سنوات آخر الجنود العظماء وهو الدكتور محمود محمد الطناحى.
وماذا أسديت لهذا التراث العظيم؟
- مشكلتي أنني موزع الاهتمام، وأن التدريس بالجامعة يفرض على فرضاً اتجاهات معينة، ولكنني لم استطع أن أتوقف عن كتابين عظيمين، وهما: “طوق الحمامة في الألفة والآلاف” و”الأخلاق والسير في مداوة النفوس” وكلاهما لابن حزم الأندلسي وبين يدي كتابين آخرين “تحفة الأنفس وشعار أهل الأندلس” لابن هُذيل، و”الوافي في علم القوافي” لأبى البقاء الرُندى – وهذا أول كتاب له بعد المرثية الشعرية العظيمة له التي قدمها الأستاذ محمد عبدالله عنان.
هناك في حياة د. الطاهر لحظة عظيمة وهى الأندلس، كيف كانت؟ وكيف تمثل فى حياتك؟
- كانت الأندلس والذهاب إليها نقطة التحول العملي، وقبل الوصول إليها كنت أحلم وأطمح، وبعد الوصول إليها أعطتني وسائل (آليات) تحقيق الطموحات والأحلام فهي تمثل محطة فاصلة فى تاريخ حياتي، رأيت عالماً جديداً، فشغلت بمعرفة الأسباب التي جعلته يصل إلى هذا الرقى والتي تمنيتها لوطني، واحترام الإنسان هناك شيئاً أساسياً مع أن احترام الإنسان  فى الأصل مبدأ إسلامي: (ولقد كرمنا بني أدم وحملناهم فى البر والبحر) ولكن وجدت احترام الإنسان واقعاً موجوداً هناك مما هو موجود فى بلادنا ، هذا الانفتاح غذى ما عندي، وطعمه بزاد ما كان يمكن أن يتوفر لي لو لم أذهب إلى “أسبانيا”..
ما حقيقة ما يشاع هناك من تعصب وكره للعرب وضد اعتبار الفترة الإسلامية كجزء من التاريخ الأسباني؟ ..
-  التعصب محصور داخل الكنيسة فقط ، أما الرجل الأسباني العادي إذا لم يكن عميلاً للكنيسة ، فلا يعرف هذا التعصب .
ولكن ثمة شك فى أن هناك فترات أخرى عرفت فيها أسبانيا حرية واسعة كالعصر الجمهوري (1933 -1937) ولكن سقوط العصر الجمهوري وانتشار الفاشية كلف أسبانيا ثمناً غالياً فقتل عشرات الأدباء والمفكرين مثل “لوركا ” ، وهجر ألاف منهم إلى أمريكا اللاتينية وأحدثوا ثورة مثل:”ليون فيليب”، و”روفائيل ألبرتى”، و”خوان رامون خمينيث”، وغيرهم ..
ما هي علاقتك بالمستشرقين فى الماضي والحاضر؟
- المستشرقون لا يكتبون لنا وإنما يكتبون لأهليهم ولأوطانهم و”الرائد لا يكذب أهله” كما هو شائع ، ولكن الذي يحدث أن بعضهم  غير متمكن من اللغة العربية، فلا يفهم النص ويبنى أحكاما على النص الخاطئ، فتجيء بعض أحكامهم خاطئة، ولكنهم لا يتعمدون الخطأ، لأنه فى الأساس لا يكتب ولا يتصور أن ما يكتبه سوف يقرأ فى بلادنا، هم طبعا يكتبون بحياد وموضوعية، لا يجاملون، ولا يسكتون عن أخطائنا ولا يزينون ما هو قبيح، أما كلامهم عن عصور الانحدار ومنها: العصر المملوكي مثلا فهم ينظرون إليه من منظور سياسي وإقتصادى وهم يضعون فى المقام الأول أين يقف النظام السياسي من مصلحة الشعب وهو نفس ما يطبقونه فى بلادهم ..
 أما ذكرياتي معهم فهم أناس أساتذة فى جامعات تعاملوا معنا كطلاب فوجدنا منهم كل الرعاية وكل المعاونة ولم يظهر لنا فى أيه لحظة من اللحظات أي عداء أو إهمالاً أو تشفى وصادقت كثير منهم مثل “أميليو جارثيا غومث”، فهو الذى أشرف على دراساتي العليا هناك وغيرهم ..

الأحد، 4 مايو 2014

مقتطفات من رسالة الماجستير المقدمة من الباحثة منى عبد العظيم محمد.


أولاً: عنوان الرسالة :       الطاهر مكي ناقداً ومبدعاً.
أشرف عليها:        أ.د/ محمد أبو الفضل بدران ..............أ.د/ السيد محمد علي.
الجهة المانحة:      قسم اللغة العربية - كلية الآداب بقنا - جامعة جنوب الوادي.

ملحوظة مهمة: سوف أورد بعض مقاطع من الرسالة كما هي دون تدخل مني بتعديل أو تصحيح أو زيادة أو نقصان، فالنص عهدة الباحثة ومسئوليتها.
==========================
الفصل الأول: السيرة الذاتية للدكتور الطاهر مكي


من هو الطاهر مكى؟
عندما نتحدث عن هذا الرجل فنحن أمام شخصية عصامية صنعت نفسها بنفسها في أصعب الظروف والامكانيات، فهو الطاهر أحمد مكي ولد في محافظة قنا سابقا والأقصر حاليا في مركز إسنا بقرية الغريرة في السابع من أبريل عام  1924م، من أسرة متوسطة حاولت بكل طاقتها أن يظهر نبوغ هذا الطفل إلي العيان.
وكان السبيل الوحيد لهذا هو التعليم ولكن كيف والعلم حينها لم يتجاوز الكتاتيب في هذه البلدة،وحين يفكر أحد في إكمال تعليمه لم يكن أمامه إلا أن يسافر مسافة قدرها 500كيلو مترًًا إلي المعهد الأزهر في أسيوط، ولكن يتدخل القدر في إنشاء معهد ديني علي مسافة أقرب في محافظة قنا.
وبعد اتمام تعليمه في هذا المعهد يسافر إلي العاصمة ليلتحق بكلية دار العلوم وفي عام 1952م ويحصل الطاهر مكي علي الليسانس الممتازة،مع مرتبة الشرف الثانية في اللغة العربية وآدابها والدراسات الإسلامية، كما حصل على
 دبلوم الدراسات العليا للمعلمين بتقدير جيد جدا 1956م،ويتدخل القدر مرة أخري في سفر الطاهر مكي إلى إسبانيا حين رأت جامعة القاهرة ضرورة دراسة الأدب الإسباني وحاجتها في إرسال الطلبة الكفء لهذه المهمة فكان الطاهر مكي على قائمة هؤلاء المسافرين وحصل على درجة الدكتوراه في الأدب والفلسفة بتقدير ممتاز من كلية الآداب، الجامعة المركزية 1961م، مدريد- إسبانيا.
وعن أهم الأعمال التي شغلها الطاهر مكي نبدؤها بعام 1952م حيث ألتحق بوزارة التربية والتعليم وعين مدرسا فيها كما اختير عضوا ببعثة وزارة التربية والتعليم للحصول علي الدكتوراه من إسبانيا حتى عام 1961م، وعين أيضا أستاذا منتدبا من وزارة التعليم العالي لتدريس الأدب العربي والحضارة الإسلامية في جامعتي كولومبيا الوطنية والجزويت باللغة الإسبانية في كولومبيا حتى عام 1964م ، وفي نفس العام وبعد عودته من إسبانيا عين مدرسا بكلية دار العلوم بجامعة القاهرة، كما عين أستاذا مساعدا بقسم الدراسات الأدبية بكلية دار العلوم حتى عام 1974م وأخيرا اختير أستاذا بالقسم نفسه حتى عام 1976م، ورئيسا لقسم الدراسات الأدبية بكلية دار العلوم حتى عام 1984م، وأخيرا وليس آخرا وكيلا للدراسات العليا والبحوث بكلية دار العلوم حتى عام 1989م.
*النتاج العلمي*
تنوع نتاج د.الطاهر مكي ما بين تأليف وتحقيق وترجمة من وإلى لغات مختلفة ،وإبداع في مجالات متعددة يمكننا تقسيمها على النحو التالي:

                 أ- التأليف:
1-   امرؤ القيس حياته وشعره
2-   دراسة في مصادر الأدب
3-   دراسات عن ابن حزم وكتابه طوق الحمامة
4-   الشعر العربي المعاصر: روائعه ومداخل لقراءته
5-   القصة القصيرة دراسة ومختارات
6-   دراسات أندلسية في الأدب والتاريخ والفلسفة
7-   الأدب المقارن :أصوله وتطوره ومناهجه
8-   في الأدب المقارن دراسات نظرية وتطبيقية
9-   مقدمة في الأدب الإسلامي المقارن
10-    أصداء عربية وإسلامية في الفكر الأوربي الوسيط
11-    من روائع القصة القصيرة: مع مقدمة عن الرواية والقصة القصيرة
12-    في الشعر الجاهلي قضايا ومواقف
     ب- التحقيق:
1-    تحقيق طوق الحمامة في الألفة والألآف لابن حزم الأندلسي
2-    الأخلاق والسير في مداواة النفوس
3-    تحفة الأنفس في شعار سكان الأندلس لابن هذيل
 ج- الإبداع:
1-السلطان يستفتي شعبه وحكايات أخري
2- بابلو نيروا: شاعر الحب والنضال
 د- الكتب المترجمة:
عن الفرنسية:
1-الشعر الأندلسي في عصر الطوائف هنري بيريس
2- الحضارة العربية في إسبانيا ليفي بروفنسال
3-هذه المرأة لي: رواية لجورج سيمنون مع مقدمة عن حياته وفنه والرواية البوليسية بعامة كتاب الهلال 1989م
عن الإسبانية:
1-مع شعراء الأندلس والمتنبي إميليو غرسيه غومث
2- الفن العربي في إسبانيا وصقلية فون شاك
3- الشعر العربي في إسبانيا وصقلية فون شاك
4- التربية الإسلامية في الأندلس أصولها المشرقية وتأثيراتها الغربية خوليان ريبيرا
5- مناهج النقد الأدبي إنريك أندرسون
  6-ملحمة السيد
   عن الإنجليزية
1-الرمزية أنا بلكيان
2-الثقافة واللغة والتعليم في مصر الحديثة لويز آرمين ينشر فصولا في صحيفة دار العلوم
د- الأبحاث:
1- العالم الإسلامي في مطلع القرن التاسع عشر كما رآه رحالة إسباني دومينجو باديا =(علي بك العباس) نشر علي أجزاء في الفكر العربي بيروت مجلة "المجلة" والكتب وجهات نظر في مصر
2- المثقفون والهزيمة في كتاب أصدرته جريدة الأهرام 1998م بعنوان "حرب يونية 1967م بعد 30 سنة" وشارك في تحريره نخبة من المفكرين المصريين
3- دراسة عن الحرب الأهلية الإسبانية (ج4 ص71 :165) في موسوعة أحداث القرن العشرين دار المستقبل العربي القاهرة 2000م
4- حينما كانت الأندلس تتكلم العربية وتدين بالإسلام الكتب وجهات نظر العدد 60 يناير 2004م
5- مخطوطة عربية واثنا عشر عالما أوربيا الكتب وجهات نظر العدد 32،3 سبتمبر 2001م

                                       *المقالات*
كثيرة وموزعة علي شتي المجلات في العالم العربي :الهلال، الملحق الأدبي للأهرام، المجلة ، الرسالة، آفاق 4 عربية الدوحة، العربي،الثقافة العربية، والفيصل، والفكر العربي، والبحث العلمي... وغير ذلك
*النشاط الثقافي*
انتخب د.الطاهر مكي عضوا بمجمع اللغة العربية، كما اختير عضوا بالمجلس القومي للثقافة والفنون والآداب والإعلام عضو مجلس إدارة الكتب والوثائق القومية، وعضوا للجنة الأدب واللغة بالمجالس القومية،وأيضا عضوا بلجنة منح جوائز التفوق بالمجلس الأعلى للثقافة، وأخيرا عضوا في لجان منح الجوائز العربية منها على سبيل المثال لا الحصر: العويس في الإمارات، والبابطين في الكويت، وجوائز التقدم العلمي التي تمنحها حكومة الكويت.
وعين رئيسا لتحرير جريدة دار العلوم، مجلة فصلية محكمة، تصدرها جماعة دار العلوم، وأيضا رئيسا لتحرير مجلة "أدب ونقد " من عام1982م إلي عام 1987م، وفي الفترة من عام 1983م إلي عام 1990معين أمينا للجنة ترقيات الأساتذة، وختاما فقد أشرف علي أكثر من 40 رسالة دكتوراه في جامعات مختلفة، وعلي أكثر من 45 رسالة ماجستير، وكان عضوا في لجنة مناقشة أكثر من مئة رسالة دكتوراه وماجستير.
*الجوائز والأوسمة*
إن هذا الرجل يستحق وعن جدارة الكثير من الجوائز والمنح لما قدم في حياته لهذه الأمة التي ظل يدافع عنها في كل كتاباته بأسانيد عربية وغربية وعن أهم الجوائز والأوسمة التي حاز عليها د.الطاهر مكي نذكر وسام العلوم والفنون من الطبقة الأولي عام 1990م، وجائزة الدولة التقديرية لعام 1992م، وأيضا وسام العلوم والفنون من الطبقة الأولي عام 1992م، كما كرم في محافل جامعات عدة وحصل على دروع تكريم من جامعات ومحافظات مختلفة: المنيا وجنوب الوادي … وغيرها.
*المؤتمرات*
 شارك في أكثر من ثلاثين مؤتمرا حول التربية والقضايا النقدية والأدبية، في عمان والأردن، سوريا، والرياض المغرب والجزائر، وإسبانيا.
ثانيا:العوامل المؤثرة في تكوين شخصية د.الطاهر مكي
  هناك خمسة عوامل أثرت وبشدة في تكوين شخصية د.الطاهر مكي منذ طفولته وحتى الآن، نشم عبق هذه العوامل في كل مقال أو بحث أدبي أو بين دفتي كل كتاب يحمل اسم د.الطاهر مكي وأول هذه العوامل: كتاب القرية، وثانيها: المدرسة وثالثها:الصحافة، ورابعها: شاعر الربابة، وأخيرا رحلته إلي إسبانيا.
أولا:كتَّاب القرية
  كان الكتَّاب الرافد الوحيد لمن أراد محو أميته في قرية د.الطاهر مكي، بدأ د.الطاهر مكي دراسته في كتاب القرية وحفظ القرآن الكريم وهو في العاشرة من عمره، مما ساعد علي تمكنه من اللغة العربية وجعله قادرا علي التعبير الصحيح بالأساليب الراقية المعتمدة علي ثروة لغوية ضخمة، وجعله أيضا قادرا علي النطق الصحيح لحروف الكلمات.

  لهذا كان لزاما علينا أن نسأل د.الطاهر مكي عن أثر الصعيد المصري في كتاباته، وبعد السؤال أجاب قائلا:
"لقد أثر الصعيد في تكويني الشخصي منذ نعومة أظافري فقد كانت القرية التي أعيش فيها لا تتمتع بقدر كبير من الثقافة والمثقفين لدرجة أن هناك ثلاثة فقط في القرية يجيدون القراءة والكتابة وهم( عمي- ضابط النقطة- والعمدة) وكان حبي للقراءة حبا جارفا أزال كل المعوقات في حياتي فقد كنت أذهب إلي بيت عمي لقراءة الصحف التي كان الثلاثة المثقفين يشترونها مقابل اشتراك شهري قدره 120قرشا"(1)
ثانيا:من الإلزامية حتى الليسانس الممتاز
  بعد الكتاب، ذهب د.الطاهر مكي إلي المدرسة الإلزامية تلميذا، دخلها وهو حافظ للقرآن الكريم، وبدأ يتعلم أشياء أخري علمية وأدبية لم يعهدها في الكتاب:
   "التقيت بألوان جديدة من المعارف، أحببتها كلها علي تفاوت  في هذا الميل، وتأتي علي رأسها الرياضيات من حساب وهندسة وشيء من أوليات الجبر ثم الأدب أو المحفوظات كما كانوا يسمونها في تلك الأيام، إلي جانب كتب المطالعة والتاريخ وكانت حافلة بالموضوعات الجادة والمتنوعة والجذابة" (2)  
  وفي عام 1944م أنهي الدراسة الابتدائية، وكان عليه أن يذهب للقاهرة، ولكن شيخ معهد القاهرة لا يقبل ولا يحب أهل الصعيد لأسباب شخصية وغير شخصية ليتدخل القدر من جديد فيتغير الشيخ ويأتي آخر يرحب به.
وفي القاهرة يحضر ندوات ويراسل الدوريات حتى أنه كتب وفي رسالة الزيات وهو في الثانوية، وأعانته الكتابة علي اجتياز مسابقة للالتحاق بكلية دار العلوم وهي من الصعوبة بمكان وقتها.. والالتحاق بها أمر عسير.
وكان الثاني عند نجاحه في الليسانس الممتاز بعد د. سعد هجرس... ولكن أمله كان أعلي.
ثالثا:الصحافة
 تعلقت صلة د.الطاهر مكي بالصحافة عندما ذهب إلي مدينة قنا طالبا في المعهد الديني، وفي ذلك يقول:
"هناك سوف تتعمق وتتسع كل بدايات القرية، ولم تعد قراءاتي وقفا علي الأهرام والرسالة بل شملت الصحف والمجلات جميعها، فقد سكنت الشارع الرئيسي في المدينة، واتفقت مع فتي من باعتها أن يحمل إليّ الصحف التي تصل في المساء ويأخذها في الصباح،وأن يجيئني بالصحف التي تصل في الصباح ويستردها في المساء، مهما كان عنوانها أو حجمها أو اتجاهها، مقابل ثلاثين قرشا شهريا، وهكذا لم تكن هناك صحيفة تصل مصر أو تصدر فيها إلا وتأتيني، بعضها أمر عليه عجلا، وبعضها أتوقف عنده طويلا، وقليل منها أبقي عليه وأدفع ثمنه.وكنت أحمل بعضها معي أقرؤه في ساعات الدراسة المملة، الشيخ يقرأ أو يشرح، والمجلة أمامي مخبأة ألتهم سطورها".(3)
رابعا: مولد "الأمير غانم" وشاعر الربابة
  وهو مولد يقام في شهر شعبان من كل عام في "المطاعنة" موطن د.الطاهر مكي، يأتي إليه الناس من كل مكان، وهناك كان د.الطاهر مكي يستمتع إلى مواويل شاعر الربابة أو "المداح" وهو رجل يطوف بالمنازل نهارا يلتمس شيئا من الرزق مقابل مدح أصحاب البيت أو إنشاد بعض القصائد الدينية والصوفية، أو كليهما، وكان الناس يلتفون حول هذا الرجل ليلا ليروي لهم السيرة الهلالية مصحوبة بأنغام الربابة والدف".
  كان الطاهر مكي يعجب بهذا الرجل ويستمع إليه ويتأثر بما يقول:
"لقد كنت أترقب هذا الشاعر حين يهبط القرية، أو القرى المجاورة، وفي أي ديوان، ولم أكسل في الذهاب إليه أبدا"
                                                       خامسا:البعثة إلي إسبانيا
ذهب د.الطاهر مكي إلي إسبانيا عام 1957م بناء علي منحة مقدمة من وزارة الخارجية الإسبانية لدراسة الأدب الإسلامي والأندلسي بقي هناك ستة سنوات، إلا أن د.الطاهر مكي آثر معهما أن يعد رسالة دكتوراه في الأدب الأندلسي،وقد أنجز رسالته بدرجة ممتاز في جامعة مدريد عام 1961م،وفي أثناء عمله بإسبانيا مر به سلامة حماد وكان وكيلا لوزارة العلاقات الثقافية فطلب منه أن يراسله بعدما ينتهي من الدكتوراه، وهكذا وجد نفسه معينا كأستاذ للحضارة الغربية بجامعة كولومبيا الوطنية وهناك أدرك المحب لبلاده أننا نظلمها فنحن نسبق أمريكا اللاتينية بـ500 عام.
وعن أول شيء أثار انتباه د.الطاهر مكي في أوربا أن كل فرد في هذه البلاد يؤدي عمله بجد عجيب، ولا يضيع وقتا في "حسد الآخرين"، أو الوقوف في طريق نجاحهم، بل علي العكس ، يجد العامل نتيجة عمله جزاء ماديا، واحتراما أدبيا، وتقديرا من المجتمع، مما يدفعه إلي المزيد من العمل والرقي.
كان ما سبق نبذة مختصرة عن تلك الأيام التي عاشها د.الطاهر مكي في إسبانيا، وبعد مجيئه من هذا البلد واستقراره في وطنه لم ينسها تماما وإنما ظل يوفد إليها في الإجازة الصيفية من كل عام، وله في ذلك هدفان الأول منهما:نقل زاد ثقافي جديد يعكف علي ترجمته أو تحقيقه أو الكتابة في تلك الموضوعات التي يري أنها تحمل شيئا ذا قيمة لتلاميذه، وكأنه وكل من قبل المثقفين لنقل ما لدي الآخرين من ثقافة، وما وصلوا إليه من تقدم، والهدف الثاني يتمثل في الحصول علي قسط من الراحة بعد عناء عام دراسي مثقل وملئ بالتدريس والتأليف.
لم يتوقف نشاط د.الطاهر مكي عند إسبانيا فقط، حيث قضي سنوات أستاذا وزائرا في جامعة بوجوتا عاصمة كولومبيا ومكنته هذه الإقامة والاتصال المباشر بشعب من شعوب أمريكا اللاتينية إلي جانب اهتمامه بآداب تلك البلاد،من التعرف الوثيق علي الأدب المكتوب بالإسبانية في هذه القارة.حتى أصبح واحدا من تخصصاته الأدبية الكثيرة، وكان في هذه الجامعة يحاضرهم في الثقافة العربية والإسلامية، فكان نعم السفير لثقافتنا في ذلك العالم الجديد.
*أهمية مؤلفات د.الطاهر مكي على المستوي العربي *
نحن أمام مجموعة مختلفة من كتب د.الطاهر مكي منها ماهو مؤلف ومنها ما هو مترجم، وسوف نري في الفصول القادمة أن لكل مجال كتب فيه د.الطاهر مكي أهمية بالغة سواء من حيث انتقاء الكتب التي تفتقر إليها المكتبة العربية ،أو من حيث التأليف في موضوعات تطرق إليها كتاب سابقين ويضيف إليه شيئا جديدا.
ففي مجال الادب المقارن كتب د.الطاهر مكي أربعة كتب نبدؤها بكتاب "الأدب المقارن دراسات نظرية وتطبيقية" وترجع أهمية هذا الكتاب إلي أنه يعتبر امتدادا لما كتبه د.غنيمي هلال في مجال الأدب المقارن ويليه كتاب "الأدب المقارن أصوله وتطوره  ومناهجه" ويعد هذا الكتاب ضمن أكبر الكتب النظرية في هذا الحقل والتي من خلالها تطرق إلي النواة الأولي لهذا الأدب إلي العصر الحالي علي المستويين العربي والأوربي، أما الكتاب الثالث وهو الرائد في مجاله وجاء تحت عنوان
"مقدمة في الأدب الإسلامي المقارن" والذي كتب بمنهج وأسلوب مختلف تطرق فيه د.الطاهر مكي إلي علاقات التاثير والتأثر في المجالات الإسلامية المتعددة في نطاق أوسع لعدة بلدان عربية وإسلامية،أما الكتاب الرابع وهو "أصداء عربية وإسلامية في الفكر العربي الوسيط" وفيه يثبت د.اتلطاهر مكي وبالدليل فضل الحضارة العربية في قيام
الحضارة الأوربية وكيف أن الثانية قامت علي انقاض الأولي حتى وصلت إلي هذا الازدهار والرقي الذي نشاهده الآن.
وفي مجال الإبداع لايمكننا أن ننسي السيرة الذاتية التي كتبها د.الطاهر مكي للشاعر الأندلسي "بابلو نيرودا" تحت
 مسمي بابلو نيروا شاعر الحب والنضال" وقد ذكر د.الطاهر مكي أن هذه الدراسة تعتبر الأولي في حينها حيث لم
 يسبق أحدا د.الطاهر مكي حتي الآن وكتبا شيئا عن الشاعر الأندلسي بابلو نيرودا.
"لا أعرف في العربية دراسة أخري تتناول حياة نيرودا،في لحظات كثيرة كنت أشعر أن ذلك نقصا في حياتنا الثقافية علينا أن نتجاوزه،ولقد نشرت له عدة قصائد مترجمة،ولعلي بذلك أقدم صورة تقريبية لشاعر عظيم"
وفي الأدب الأندلسي قام د.الطاهر مكي بدور الناقل لكل ما هو أندلسي إلي الأمة العربية حيث ترجم وألف العديد من الكتب في الأدب والشعر الأندلسي كما نقل لنا رأي المستشرقين أصحاب الرأي الراجح ونقد وبمهارة آراء الأخرين ممن خدعهم بريق الحضارة الأوربية، لقد قدم د.الطاهر مكي للمكتبة العربية العديد من الكتب في مجال الأدب الأندلسي مبينا ماضينا المشرق في هذه البقعة من الأرض، في أسلوب جميل تحن إليه المكتبة العربية، كما ترجع أهمية ما كتبه د.الطاهر مكي في الأدب الأندلسي إلي أنه عاش في هذه البلاد أكثر من سبع سنوات شاهد فيها ماتبقي من الحضارة العربية وتخيل بذهنه الصافي ما كان عليه الحال قديما فكان ينقد تلك الافتراءات التي يكتبها المستشرقون بالسان الرجل
الذي شاهد هذه البلاد وقرأ عنها الكثير لا بلسان القارئ فقط.
وأخيرا وليس آخرا فإن أهمية كتب د.الطاهر مكي أكبر من أن توضع في سطور وتتجاوز حدود ذلك، إن أهميتها نلحظها في عيون قراء كتب د.الطاهر مكي الذين يجدون ضالتهم في هذه الكتب فكم من باحث أو طالب أراد كتابة رسالة أو بحث في النقد أو الأدب الجاهلي أو الأدب الأندلسي أو الأدب المقارن ثم يكتشف فحوي القصيد فيما كتب عليه
تأليف أو ترجمة د.الطاهر مكي، إن د.الطاهر مكي يكتب بفكر مختلف ودافع آخر قبل أن تخط يمينه هذا المؤلف أو ذاك

أطال الله عمر هذا الرجل وجزاه عنا كل خير.
-------------------------------------------------------------------------------------------
وهذه خاتمة الرسالة كما هي:

*الخاتمة والتوصيات والنتائج*

    تتناول هذه الرسالة أعمال د."الطاهر مكي" تحليلا ودراسة، تحت عنوان "د."الطاهر مكي" ناقدا ومبدعا".
والآن وبفضل الله قد انتهيت منها وسوف أعرض في السطور القليلة القادمة ما توصلت إليه في هذا البحث المتواضع، وما أوصي به الدارسين من بعدي،في النقاط الموجزة التالية:
1-            إن أعمال د."الطاهر مكي" تحتاج المزيد من العناية والتمحيص في رسائل علمية قيمة، فنحن في حاجة إلي سبعة رسائل الأولي في النقد، والثانية في الأدب المقارن، والثالثة في الأدب الأندلسي،والرابعة في التحقيق،والخامسة في الإبداع، والسادسة في الترجمة، والسابعة في أعمال د.الطاهر مكي المتعلقة بالأدب الجاهلي، والأدب العربي،ولنا في هذا القول تجربه سابقة قدمتها د. يمنى رجب إبراهيم في كلية البنات عين شمس، تحت عنوان " منهج د.الطاهر مكي في الدراسات المقارنة نظرا وتطبيقا" تناولت فيها أعمال د."الطاهر مكي" في حقل الأدب المقارن فقط.
2-            إن الترجمة والتحقيق لا يقلان أهمية عن التأليف، بل علي العكس فقد يتطلبان جهدا خاصا، فتحقيق مخطوطة ما لا يأتي عبثا، وإنما يتطلب قواعدا وشروطا معينة،وإلا جاء هذا العمل تافها غير مفيد ولا نجني من ورائه إلا الأخطاء،وكذلك الترجمة فإن اختيار العمل المترجم في مقدمة الشروط الأولي للترجمة،فنحن الآن نري الكثير من الأعمال متواضعة القيمة، والتي يتكالب عليها الكثير لترجمتها، إما لعدم قدرتهم علي ترجمة الأعمال الكبرى، وإما لتدني ثقافة عامة الدارسين المثقفين.
3-            الوقوف في وجه الصعاب، لأن البحث العلمي يحتاج منا جهدا أكبر، وصبرا أطول، حتى يؤتي ثماره المرجوة علي المستوي الفردي من إسعاد صاحبه بما عرفه من علم رفع شأنه قياسا علي قولهم:
     العلـم يـرفـع بيـوتـا لا عمـاد لهـا                    والجهـل يخفض بيـوت العـز والكـرم
أو علي المستوي الجماعي من المنفعة التي سوف تعود علي الباحثين والدارسين بالخير والعلم،كل هذا لن يأتي إلا إذا ذاق الإنسان تحمل عناء العلم، وصبر علي جفا المعلم وقديما قال الإمام الشافعي-رحمه الله- :
تصبر علي مر الجفا من المعلم        فإن رسوخ العلم في نفراته
ومن لم يذق مر التعلم ساعة         تجرع ذل الجهل طول حياته
ومن فاته التعليم وقت شبابه         فـكبر عليه أربعـا لـوفاته
وذات الفتي والله بالعلم والتقي      إذا لـم يكونا لا اعتبار لـذاته
وأخيرا فإن أهم ما توصلت إليه فى هذه الرسالة على المستوي العام مجموعة من النتائج تتمثل فى الأتى:
1-            أن هناك نوعا من الإبداع لا يتناوله الكتاب والأدباء إلا القليل منهم، وهو السير الذاتية فعندما قرأت كتاب "بابلو نيرودا شاعر الحب والنضال" ذكر د."الطاهر مكي" أن هذه الدراسة لهذا الشاعر تعد الأولي من نوعها فى مصر.
2-            أن الأدب المقارن فى مصر لم يأخذ حتي الآن مكانته التى تليق به كأدب مستقل، كما أن هذه المكانة عرفتها الكثير من الدول الأوربية وخصصوا له كراسى باسمه فى جامعاتهم.
3-            أن لكل أدب من الآداب العربية له قسمان نظرى وتطبيقى، وأن لكل قسم أهميته فإن لم يأخذ كل قسم حقه فى الدراسة فلن نجنى ثمار هذا الأدب كما كنا نتمنى.
4-            أن الأدب الأندلسى يحتاج الكثير من البحث، لأن هناك الكثير من المخطوطات لم يتم اكتشافها حتي الآن فى المكتبات العامة والخاصة فى هذا البلد التى ظلت تحت الحكم العربى نحو أكثر من 800عام.
5-            أن هناك بعضا من الموضوعات تحتاج إلى اتساع فى دراستها فى جامعاتنا كأدب الملاحم المختلفة، وكيفية تحقيق المخطوطات والكتب العربية، والأدب الإسلامي المقارن، وأدب السير الذاتية، وكيفية كتابتها ودراستها ونقدها.
كانت هذه رسالتى تمت بحمت الله وعونه، فإن وفقت فيها فهذا بفضل الله الذى يعين عباده على الصالحات من الأعمال وإن أخفقت فحكمة الله فى خلقه تقتضى ذلك، ولأن النقصان يحمل بين جوانبه صفتى المعرفة والتتابع، هذا وبالله التوفيق.

 ===================================================
  
ملخص الرسالة

جاء هذا العمل المتواضع تحت عنوان "الطاهر مكى ناقدا ومبدعا" وقد أشرت إلى أن هذا العنوان لا يعنى في مجمله أننى سوف أتناول أعمال د."الطاهر مكى" بالنقد لأننى في هذه المرحلة غير مؤهلة لذلك، كما أننى لا أمتلك فى الوقت الحاضر تلك الأدوات التى تجعلنى ناقدة لأعمال د."الطاهر مكى" .
أما عن فصول هذه الرسالة فقد جاءت بعد المقدمة فى ثمانية فصول يمكن تلخيصها علي النحو التالى:
·               الفصل الأول (السيرة الذاتية للدكتور الطاهر مكى)
وفى هذا الفصل حاولت بقدر المستطاع تصوير الكثير من العوامل الحياتية التى أثرت فى كتابات د."الطاهر مكى" وجعلته صاحب أسلوب متميز من بين أقرانه، وكان من بين هذه العوامل، القرية وهى مسقط رأس د."الطاهر مكى" بما تحمل من ظروف نشأته وتعليمه، يليها الصحافة التى تعلق بها د."الطاهر مكى" منذ صباه،ولا ننسي علي المدي البعيد شاعر الربابة والذى كان د."الطاهر مكى" يتشوق لسماعه فى مولد الأمير غانم، وأخيرا كانت البعثة إلى إسبانيا والتى عرف من خلالها نوعا آخر من الأدب، ألا وهو الأدب الأندلسى .
وآخر ماكتبت فى هذا الفصل حمل عنوان "أهمية مؤلفات د."الطاهر مكى" على المستوي العربى "
وقد أثرى د."الطاهر مكى" المكتبة العربية بالعديد من الكتب، فى جميع المجالات التى كتب فيها، وهى متعددة نذكر منها حتى الوقت الحاضر، النقد، والأدب المقارن،والأدب الأندلسى،والأدب العربى، كما ترجم لكثير من المستشرقين فى لغات مختلفة، وأورد أرائهم بكل أمانة وصدق نقلا ودراسة وتحليلا وإن خالفوه فى الرأى.
·               الفصل الثانى ( جهود د.الطاهر مكي فى النقد)
وفى هذا الفصل تناولت أعمال د."الطاهر مكى" فى مجال النقد تنظيرا وتقعيدا ترجمة وتأليفا.
ففى النقد التنظيرى تناولت أراء "إنريك أندرسون إمبرت" من خلال كتابه "مناهج النقد الأدبي" والذى ترجمه د."الطاهر مكى" فى براعة واقتدار،وحاولت جاهدة دراسة القصة القصيرة على المستويين العربى والعالمى،ودراسة أراء بعض الكتاب أمثال: نيقولاى جوجول، إدجار ألن بو، جى دى موباسان....وغيرهم.
وقدمت لعناصر العمل الأدبى من حدث، وحبكة،وأشخاص، ومكان، وزمان، ،ولحظة التنوي،وبناء القصة،أو كما أسماها د."الطاهر مكى" "تقنيات السرد".
وفى النقد التطبيقى تناولنا بعض القصص القصيرة التى حللها د."الطاهر مكى" فى كتابه "مختارات من القصة القصيرة "، وفى كتاب" دراسات أندلسية وفى الأدب والتاريخ والفلسفة" كتب د."الطاهر مكى" مجموعة من الأبحاث فى مجال النقد الأدبى، فبحث في أصل كلمة أندلس وتطوره، كما كتب بحثا عن المرأة الشاعرة فى الأندلس، وجاء بنموذج على سبيل المثال وهى "حفصة بنت الحاج الركونية"، كما رسم لنا أصدق الصور الشعرية من خلال رثاء الممالك الأندلسية فى عصر الطوائف ،وعصر المرابطين، وعصر الموحدين، ومملكة غرناطة.
·               الفصل الثالث ( جهود الطاهر مكى فى الأدب المقارن)
 وفى هذا الفصل تم تقسيم الأدب المقارن إلى :
أولا:الأدب المقارن التطبيقي:
 وفي هذه الحزئية قمت بتحليل ودراسة كتب د."الطاهر مكى" فى مجال الأدب المقارن وحملت عنوان "مجالات البحث فى الأدب المقارن" فجاءت فى النقاط الأتية:
1-            الترجمة
2-            الكتب والمطبوعات
3-            الرحلة والرحالة
4-            الوسطاء
5-            الكتاب والمؤلفون
6-            دراسة التأثير والتأثر
وبعد الانتهاء من مجالات البحث عقدت مقارنتين وهما:
1-            مقارنة بين "المتنبى" و"ابن هانئ"
2-            مقارنة بين ملحمة "السيد" وملحمة "بنى هلال" (السيرة الهلالية)
كما قمت بتحليل ودراسة كتاب "الأدب الإسلامى المقارن"، وهو أحد فروع الأدب المقارن لايمكن إغفاله.
ثانيا:الأدب المقارن التنظيرى:
وفى هذا الجزء تناولنا مجموعة من النظريات فى مجال الأدب المقارن وهى:
1-            نظرية "هردر"
2-            نظرية "تين"
3-            نظرية "زولا"
4-            نظرية "تكست"
5-            نظرية "بترسن"
6-            نظرية "بوسنت"
7-            نظرية "جريجورى سميث"
8-            نظرية "فيسيلوفسكى"
وعند دراسة الأدب المقارن لا يمكن أن ننسي أعظم ما ترجم د."الطاهر مكى" وهو كتاب" الرمزية" لـ "آنا بلكيان" وفى هذا الكتاب عرضت صاحبته لهذا المذهب منذ بدايته وعرفتنا على أهم أصحابه أمثال: سويدنبرج، بودلير، فرلين، رمبو، مالرميه.
·               الفصل الرابع: (إبداع د.الطاهر مكى)
وفى هذا الفصل نقدم خير ما ألف د."الطاهر مكى" فكان كتاب " السلطان يستفتى شعبه وحكايات أخري" وهى مجموعة قصصية سمعها د."الطاهر مكى" أثناء وجوده فى المغرب العربى، وبعد عودته إلى مصر كتبها بأسلوبه الرائع، ثم تأتى قصته الرمزية"الحمار دكتورا مشكلة" وفيها قدم د."الطاهر مكى" مجموعة من القضايا، نذكر منها قضية تدهو الشعر، ونظرة البعض إلى العلم وكأنه شئ كمالي.
وفى حقل المقال سردنا بعض مقالات د."الطاهر مكى" وهى كثيرة ومتنوعة وقد قسمناها إلى:
1-            المقال الأدبى.
2-            المقال اللغوى.
3-            المقال السياسى.
وهناك نوع آخر من الإبداع لا يقل أهمية عما سبق، وضعناه تحت عنوان " مقدمات الكتب" فقد قدم د."الطاهر مكى" للكثير من الكتب فى مجالات مختلفة، وقد أوردنا الأمثلة لذلك.
وضمن ما قدم د."الطاهر مكى"كان كتاب "بابلو نيرودا شاعر الحب والنضال" وفيه يعرض أستاذنا لـ "السيرة الذاتية" لهذا الشاعر الإسبانى.
·               الفصل الخامس: (جهود د.الطاهر مكى فى الدراسات الأندلسية)
كان الأدب الأندلسى إحدى البصمات المميزة فى أعمال د."الطاهر مكى"، وفى هذا الفصل قمت بتحليل ودراسة كتاب "دراسات عن ابن حزم الاندلسى وكتابه طوق الحمامة" ، وعلاقة هذا الكتاب بالمخطوطة الأساسية وهى "طوق الحمامة فى الألفة والألاف" لـ"ابن حزم الأندلسى القرطبى".
وبعد هذا تناولنا جميع الكتب المترجمة، والمحققة فى الأدب الأندلسى، على يد د."الطاهر مكى" وطرحناها تحت ثلاثة عناصر وهى:
1-            الحضارة الأندلسية.
2-            التربية الأندلسية وطرق التعليم والتعلم.
3-            الفن والشعر فى الأندلس.
وأخيرا كانت الضرورة ملحة لعرض طبيعة المستشرقين الذين ترجم لهم د."الطاهر مكى" هذا النتاج العظيم من الكتب.
·               الفصل السادس : ( جهود د.الطاهر مكى فى الترجمة)
ومن خلال تراجم د."الطاهر مكى" قمت بدراسة هذا الفصل فى عاملين أساسيين وهما:
1-            تراجم د."الطاهر مكى" من حيث الموضوعات فكانت:
·               الحضارة
·               تاريخ الأدب {الشعر- القصة – الملحمة}
·               الأدب المقارن
·               النقد النظرى
2-            تراجم د."الطاهر مكى" من حيث اللغة
·               الفصل السابع : ( جهود د.الطاهر مكى فى التحقيق)
وفى بداية هذا الفصل عرضنا لمعني التحقيق لغة واصطلاحا، والشروط الواجب توافرها فى المحقق ، كما وضحت معالم مخطوطة "طوق الحمامة فى الألفة والألاف" لـ"ابن حزم الأندلسي القرطبى"قبل وبعد تحقيق د."الطاهر مكى".
وفى إطار فصل التحقيق عرضت للفرق بين تحقيق د."الطاهر مكى" وتحقيق د."إحسان عباس" لمخطوطة "طوق الحمامة في الألفة والآلاف "لابن حزم الأندلسي وما هى أوجه الزيادة والنقصان؟.
وأخيرا عرضنا لمخطوطة "الأخلاق والسير فى مداواة النفوس"  لـ"ابن حزم الأندلسى"والفرق بينها وبين  مخطوطة "طوق الحمامة".
·               الفصل الثامن ( مؤلفات د.الطاهر مكى فى الأدب العربي)
وفى هذا الفصل درسنا كتب د."الطاهر مكى" التى لم يتم دراستها فى الفصول السابقة، وجاءت تحت العناوين الأتية:
1-            دراسة فى مصادر الأدب
لا تعد دراسة مصادر الأدب بالنسبة للدكتور "الطاهر مكى" مجرد مقرر تعليمى فقط، بل أتخدها منهجا لتقويم أبنائنا فى اللغة والأدب، مما جعله يضيف إلى كتابه "دراسة فى مصادر الأدب" بعض التعليقات والهوامش تيسيرا على المبتدئين فى هذا الطريق، والذى أصبح الآن عقبة عند الكثيرين، فأورد فى كتابه أهم مصادر الأدب العربى، وأهمية دراسة مصادر الأدب بالنسبة لطالب اللغة العربية .
2-            امرؤ القيس حياته وشعره
والعنوان السابق أحد كتب د."الطاهر مكى" فى الأدب الجاهلى، وعلى الرغم من أن "امرأ القيس" كدراسة قتلت بحثا فقد قدم د."الطاهر مكى" هذا العمل بأسلوب وطريقة مختلفين عما سواه .
وختمنا هذه الرسالة المتواضعة بالأتى:
1-            الخاتمة والتوصيات والنتائج.
2-            ثبت بأهم المصادر والمراجع والدوريات.
3-             ملخص الرسالة باللغة العربية.
4-            ملخص الرسالة  باللغة الإنجليزية.