الخميس، 11 يوليو 2013

الدكتور الطاهر مكى: أعكف على تحقيق كتاب «نظام الحرب فى الإسلام»


نُشر في روز اليوسف 11 يوليو 2013
الدكتور الطاهر مكى أستاذ الدراسات الأدبية والنقدية بكلية دار العلوم جامعة القاهرة أثرى المكتبة العربية بعشرات المؤلفات الأدبية والنقدية منها: فى القصة القصيرة، الأدب المقارن، أصوله ومناهجه وتطوره، امرؤ القيس، حياته وشعره، ملحمة السيد، الحضارة العربية فى الأندلس هو يعتبر رائد الأندلسيات فى العالم العربى.كما أنه عضو فى مجمع اللغة العربية وتم ترشيحه لأكثر من مرة بجائزة النيل لكن فى كل مرة يتم استبعاده لأنه يفتقد الشللية التى تدعمه ويعيش فى عزلة عن الوسط الثقافى وبلغ عامه الخامس والثمانين وعن طقوسه فى رمضان يقول: رمضان شهر العبادات والتقرب إلى الله لكن للأسف لا أستطيع الصيام نظراً لظروفى الصحية التى ترتبط بالتقدم فى العمر وأدفع عن كل يوم أفطره فدية للفقراء والمساكين وجدول أعمالى اليومى لا يتغير فى رمضان مقارنة بغيره من أيام السنة مثل مراجعة الأبحاث وأطروحات الماجستير لطلابى والدكتوراة لطلاب الدراسات العليا.
 وعن مشاريعه العلمية يقول: أعكف على تحقيق أربعة مشاريع علمية دفعة واحدة وهى كالآتي: الأول مجموعة من الوثائق التى عثرت عليها قبل ثلاثين عامًا أثناء دراستى فى مدينة برشلونة الإسبانية وتتناول العلاقة بين مملكة آراجون الإسبانية من جانب ومصر المملوكية وتونس والمغرب من جانب آخر حيث يتناول صفحات من تاريخ العلاقات الإسبانية بدول شمال إفريقيا.
العمل الثانى بعنوان «نظام الحرب فى الإسلام عمليًا وليس فقهيًا لابن هزيل الأندلسي.
العمل الثالث بعنوان صورة صلاح الدين الأيوبى فى الأدب الأوروبى الوسيط حيث قدمه الأدب الشعبى الأوروبى فى صورة بطل شهم وكريم بشيء من المبالغة لدرجة أنهم نسبوه إلى أنفسهم واتهموه باعتناق النصرانية، نظرًا لبطولته وكرمه الإنساني. العمل الرابع: البحث عن ابن حزم ودانتي.. دراسة مقارنة» مع ترجمة كتاب « الحياة الجديدة للشاعر الإيطالى دانتى إلى اللغة العربية» بالإضافة إلى قراءاتى فى التصوف والأدب الإسلامى مثل الفتوحات المكية المثنوى لجلال الدين الرومى والموافقات للشاطبى بالإضافة إلى نيل الأوتار للشوكانى وعلى قمة هذه القراءات يأتى بالطبع القرآن الكريم.
 
المصدر: http://www.rosaeveryday.com/news/36903/-

السبت، 8 يونيو 2013

وكتب عن سيد قطب



د. الطاهر مكى يكتب.. لم يكن متطرفاً ولا رجعياً ولا متخلفاً ولا جامداً وكان صادقاً مع نفسه ومع ما يؤمن به (المصدر: اليوم السابع)

تمنيت أن أكون تلميذه وحينما طلبت مقابلته قال: هذا ليس فى صالحك.. وافترقنا على أمل لقاء لم تأت به الأيام

كان الوحيد الذى تجرأ على نقد كتاب طه حسين «مستقبل الثقافة» وأثبتت الأيام صدق آرائه.. وحينما احتفل المجلس الأعلى للثقافة والجامعة الأمريكية بحسين تجاهلا دراسته

قابلت سيد قطب مرتين فى حياتى: الأول فى أواخر العقد الخامس من القرن الماضى، وكنت طالباً فى دار العلوم، بدأنا إضراباً طلابياً لكى يستمر تعيين المدرسين فى وزارة المعارف وقفاً على خريجى دار العلوم، وكان طلاب كلية اللغة العربية بخاصة، وبقية كليات الأزهر بعامة، قد تظاهروا فى شوارع القاهرة محتجين يهتفون ضد وزير المعارف يومئذ د. محمد حسين هيكل، وضد وزارة المعارف نفسها: «الأزهر ديست حرمته.. الأزهر يشكو من هيكل»، ويطالبون بفتح باب العمل فى الوزارة أمامهم، يومها ذهب وفد منا - كنت أحدهم - إلى سيد قطب، وكان يعمل عضواً فنياً فى مكتب الوزير، نطلب منه، بوصفه درعمياً، أن يدعم قضيتنا، وسمعته ناقداً أديباً وكاتباً مرموقاً، موضع الإجلال والتقدير، وتصورنا أنه سوف يرحب بهذا، تعصبا للمعهد الذى تخرج فيه، ولكنه استمع الينا فى هدوء تام، وناقشنا فى حياد وموضوعية، ثم أنهى كلامه: هذا أمر يتصل بالصراع حول لقمة العيش، وهى حق لكل مواطن يجب على الدولة أن تكفله، من حقهم، كما هو من حقكم، أن تتظاهروا من أجله، وأن تطالبوا به.

كان زملائى يناقشونه فى هذه القضية، وكنت أتأمل شيئاً آخر: أحاول أن أغوص فى أعماق هذا الأديب الذى نحاوره، والذى أقرأ له وأعجب بفكره، وأتمنى أن أكون له تلميذاً.
كان يتقاسم الساحة الفكرية يومها اتجاهات ثلاثة واضحة: اتجاه ليبرالى يفضل النهج الأنجلوساكسونى فى النقد والأدب والحياة، يمثله هؤلاء الذين تعمقوا فى دراسة اللغة الانجليزية، وعلى رأسهم العقاد والمازنى وشكرى وآخرون، واتجاه آخر يميل إلى الثقافة الفرنسية يمثله أولئك الذين درسوا فى فرنسا، وعلى رأسهم د. محمد حسين هيكل وطه حسين، واتجاه إسلامى يجىء على رأسه مصطفى صادق الرافعى، وأحمد حسن الزيات، وأحمد أمين، مع تفاوت بينهم، ويدعمه الأزهريون وكان الدرعميون اتجاها قائما بذاته، يؤمن بالتراث، ولكنه منفتح على الثقافات الأجنبية، إسلامى الاتجاه، ولكنه يأخذ من الاتجاهات الأخرى خير ما عندها، ومن ثم تفرقوا فى اختيار هذا الحسن، فكان سيد قطب يؤثر خط العقاد الفكرى، يتبناه ويدافع عنه، وسعيد العريان يدعم اتجاه مصطفى صادق الرافعى، وتتلمذ عليه، وأرخ حياته فى دراسة ممتعة.

حتى هذه اللحظة، العقد الخامس من القرن الماضى، كان فكر سيد قطب أدبياً نقدياً خالصاً، وكان أول من التفت من النقاد إلى إبداع نجيب محفوظ روائياً، وقدمه إلى القراء مبشرا به كاتباً واعداً فى مجال الرواية الحديثة، والوحيد الذى تجرأ، وهو مدرس ابتدائى، على نقد كتاب «مستقبل الثقافة فى مصر» الذى صدر عام 1938، نقداً علمياً مستفيضاً، وهى دراسة دفعت به إلى الصفوف الأولى بين النقاد الجادين، ويصدر فى أفكاره وآرائه عن عقلية علمية، وفكر تربوى عميق مرتب، وتمثل موقفاً وطنياً يهم صاحبها أمر مصر ومستقبلها أولاً.

وإذا كان «مستقبل الثقافة فى مصر» قد فقد الكثير من بريقه بفعل الزمن، وتجاوز التطور أفكاره، فإن دراسة سيد قطب النقدية لاتزال تحمل الكثير من الجدة، وأثبتت الأيام صدق كثير مما تنبأ به، ولاتزال روعتها تثير حفيظة جماعة «المنتفعون بطه حسين»، وحين احتفل المجلس الأعلى للثقافة بمرور سبعين عاماً على تأليف كتاب طه حسين تناول البحث كل من عرض لهذا الكتاب ماعدا دراسة سيد قطب، وحين أصدرت الجامعة الأمريكية «بيبلوجرافيا» عن طه حسين فى مجلدين، تضم تعرفياً بكل كتبه وأبحاثه، وما كتب عنه، لم تشر من قريب أو بعيد إلى دراسة فى أواخر العقد الخامس من القرن الماضى اكتشف شفيق غربال، وكان وكيلاً لوزارة المعارف شخصية سيد قطب وإمكاناته فيسر له بعثة إلى الولايات المتحدة الأمريكية، وفيها أمضى عدة أعوام، ومن هناك كان يراسل بعض أصدقائه من زملائه فى القاهرة، وقد حصلت على بعض الرسائل، ونشرت اثنتين منها فى مجلة الهلال، تبينت منهما أنه اكتشف هناك قوة الإخوان المسلمين ودقة تنظيمهم، ومنهجهم لتحرير مصر من نير الاستعمار الغربى، وكان هذا ما يعنى سيد قطب ويعمل له أدبياً، وعرف ما يتمتع به الإخوان المسلمون فى الأوساط الأمريكية، وما يثيرونه من خوف بين الجامعيين بوصفهم حركة تحريرية، وكان هذا بداية التفاته إلى دورها العظيم، وإسراعه بالانضمام إليها حين عاد.

لم يكن سيد قطب فيما أرى، متطرفاً ولا رجعياً ولا متخلفاً ولا جامداً فى أفكاره، وينبغى النظر إلى فكره، كلا، لقد كان صادقاً مع نفسه، ومع ما يؤمن به، وطرييقه إلى هذا الدعوة بالكلمة، ومصارعة الفكرة بالفكرة. ثم وقع الصدام بين الإخوان والثورة، وكان هذا من سوء حظ الجميع: الثورة والإخوان ومصر قبلهما.

ودخل سيد قطب السجن محكوماً عليه بالمؤبد أمام محكمة عسكرية، وفى عام 1964 تقرر افتتاح مشروع السد العالى رسمياً، ودعى إلى هذا الحفل الرسمى نيكيتا خرشو تشوف رئيس الاتحاد السوفيتى الذى اشترط لقبول الدعوة أن يفرج عن كل الشيوعيين المعتقلين فى السجون، وأجيب إلى طلبه، كما دعى إلى الحفل محمد الخامس ملك المغرب، والرئيس العراقى عبدالسلام عارف، وكان هذا قومياً عربياً، ومسلماً طيباً، فتوسط لدى عبدالناصر للإفراج عن سيد قطب أيضاً، وأفرج عنه فعلاً، بعد الإفراج عنه، التقيته صدفة يتجول فى شارع 26 يوليو «فؤاد الأول سابقاً»، رأيته يسير واحداً، شامخ الرأس، مرفوع الهامة، وبدا لى أنه أطول وأقوى مما رأيته قبل عشرين عاماً، فتقدمت منه، وسلمت عليه، وأبديت له رغبتى فى زيارته فرد: هذا ليس فى صالحك وافترقنا، على أمل فى لقاء تأتى به الأيام.

بعد شهرين، ألقى عليه القبض من جديد، بتهمة العمل على قلب نظام الحكم، وقدم سريعاً لمحاكمة عسكرية وحكم عليه بالإعدام، وبعد أيام قليلة لا تتجاوز أصابع اليد، نفذ فيه الحكم، فى لحظة غير متوقعة، من عام 1966. وانقبض صدرى بقوة وأنا أقرأ الخبر فى هذا اليوم، على نحو لا أدرى له سابقة فى حياتى، ولا أعرف له تفسيراً.

وحين ذهبت إلى الكلية، كانت هناك قلة من رجال الأمن العسكرى فى ملابس مدنية، تأخذ طريقها إلى مكتبة الكلية، لمصادرة كل ما تعثر عليه فيها من مؤلفات سيد قطب. وما كان لأحد أن يتكلم أو يرفع صوته، لقد كنا فى أبأس سنوات عرفتها مصر على أيام صلاح نصر، تلك التى مرت بين تمزق الوحدة بين مصر وسوريا وهزيمة 1967، ولكنك تستطيع دائماً، إذا أردت أن تقول شيئاً، عن طريق الرمز والإسقاط، ومن ثم كانت محاضرتى لطلابى فى هذا اليوم فى الأدب الأندلسى: «إحراق الكتب فى الأندلس كان بداية سقوط الدولة وانهيارها».

والحق أننى كنت أشعر فى أعماق نفسى أننا على أبواب كارثة كبرى لا يعلم مداها إلا الله!، وبعد أقل من عام كانت كارثة «هزيمة 1967»!.
وكلنا نعرف ما الذى حدث لمن اعتقلوا سيد قطب وأعدموه!.
أما هو، فقد كان إعدامه، وإحراق كتبه، بداية خلود يزداد كل يوم وهجاً، واستغل الورّاقون فى لبنان إعادة طبع مؤلفاته، على نحو لم يعرفه أى كتاب آخر، إذا استثنينا الكتب المقدسة: القرآن والتوراة والإنجيل!.

كان سيد قطب مفكراً عظيماً، وتطور فكره تبعاً لتطورات عصره، وتبعاً لظروف مصر السياسية والاجتماعية، ومتطلبات تحررها وتقدمها، وأراد لنفسه أن يكون حيث يمكنه أن يسهم فى تحقيق هذه الغايات، حتى وهو جثمان مسجى تحت التراب!.

الأربعاء، 5 يونيو 2013

حسن البنا كما عرفه الدكتور الطاهر مكي

                                                    

مقدمة
أستاذ الأدب فى كلية دار العلوم جامعة القاهرة، وناقد وباحث فى الأندلسيات ومترجم ومحقق، من مواليد محافظة قنا 1924م، حاصل على دكتوراه الدولة فى الأدب والفلسفة من جامعة مدريد بأسبانيا عام 1961م، نال وسام العلوم والفنون من الطبقة الأولى عام 1991م، حاصل على جائزة الدولة التقديرية فى ا لأدب عام 1993م، وله العديد من الأبحاث العلمية المنشورة بالمجلات المتخصصة بمصر وخارجها فى مجال الدراسات الأدبية.
كتب تحت عنوان (صورة إنسانية بعيدة عن السياسة "حسن البنا كما عرفته) يقول:
للاستماع إلى حديث الدكتور الطاهر عن الشيخ حسن البنا شاهد الفيديو التالي أو اضغط هنا
لم أكن أدرك - يوم رأيته للمرة الأولى فى قرية نائية من قرى مركز إسنا، محافظة قنا، فى أعلى الصعيد، تسكنها قبائل عرب المطاعنة التى أنتمى إليها - شيئًا مهمًّا عن السياسة والكفاح ومساوئ الاستعمار والاحتلال الإنجليزى وجبروته، والهجمة الشرسة على الإسلام دينًا، فى القاهرة والمدن الكبرى، وحبائل جمعيات التبشير، وأجهزة الإعلام الأجنبية، وفيض الكتب والنشرات التى توزعها مؤسسات تتخفى وراء العلاج والتعليم، وتوزع مع العلم والصحة الإلحاد والزيغ، وفتنة المسلمين عن دينهم.
ولكنى أيضًا، لم أكن بعيدًا عن ذلك، فقد كنت من نابهى الأطفال الذين يترددون على كتاب القرية، والمدرسة الإلزامية، وموقوفًا عليهما، لا عمل لى غير القراءة والمذاكرة وحفظ القرآن الكريم، على حين أن جل لداتى يساعدون أهليهم فى الزراعة ومتطلبات العيش، وكان علىَّ فى لحظات الفراغ أن أقرأ للناس - وهم أميون فى جملتهم - صحيفة الأهرام، الجريدة الوحيدة التى تبلغ القرية، اشتراكًا يتقاسمه ضابط النقطة، وعمدة القرية، وخال لى، وكنت أعى بعض ما أقرأ، من أسماء الوزراء والأحداث على الأقل، وأفهم قدرًا يسيرًا من التعليقات، وقليلا جدًا من المقالات، أما الجانب الأكبر فكنت أراه طلاسم لا تعنى شيئًا، ولا زلت أذكر حتى الساعة مقالا كبيرًا فى الصفحة المخصصة للأدب والثقافة، عن "التشاؤم والتفاؤل" رحت أقرؤه مرة ومرة، فلم أفهم شيئًا مما يقول.
فى تلك الأيام سمعت أن حسن البنا المرشد العام للإخوان المسلمين حل ضيفًا على ديوان عائلتى فى كيمان المطاعنة، على بعد كيلو مترات من محل إقامتى، وفيها كان يسكن والدى أيضًا، فشددت رحيلى إليها، مأخوذًا برؤية شخصية قادمة من القاهرة، يظهر اسمها فى الصحف بين حين وآخر، ويكتب المقال الافتتاحى فى مجلة "النذير"، وكانت تقع فى يدى أحيانًا يجلبها خالى حين يذهب إلى السوق فى المدينة، كان ذلك فى أواخر شهر أغسطس من عام 1938م.
بدأت أتأمله من على بعد أولا، ومن قريب فيما بعد، هذا الضيف الوافد، يرتدى ملابس بيضاء فضفاضة، بسيطة ونظيفة، ويلف فوق طربوشه شاشًا، معتدل القامة والبنية، أبيض مشربًا بحمرة، مرسل اللحية، نافذ البصر والبصيرة، يتحرك وسط جموع الريفيين البسطاء كأنه هالة من نور، وهم حوله فرحون به، يعرف كيف يملك قلوب المئات الذين توافدوا من النجوع التى حول القرية، بعضهم طلاب فى الأزهر، والغالبية فلاحون، جاءوا مدعوين، أو ليسلموا عليه، أو مستطلعين.

كيف يمضى؟
أمضى حسن البنا وقتها فى كيمان المطاعنة ليلة ويومين، زار فيها كل دواوين بطون العائلة فى القرية، حتى أولئك الذين كانوا على خلاف مع أهلنا، أو الذين يرتبطون بأحزاب سياسية لا تتعاطف مع الإخوان المسلمين، وفى زيارته يصلح بين المتخاصمين، ويجمع الناس على كلمة خير، يفعل ذلك فى الصباح على امتداده بعد إفطار بسيط، رغم وفرة ما يقدم وتنوعه، فإذا انتصف النهار صلى بالناس الظهر فى المسجد، وأمهم فى الصلاة، وبعدها يتناول الغداء على بسط مفروشة على الطريقة العربية وجموع المدعوين على شرفه، فإذا انتهى الطعام أرسل شكره فى دعاء طيب، لا أزال أذكر لفظه، ويرن صداه فى أذنى كأنه قيل بالأمس، فى لغة نقية رصينة، وامتنان صادق مؤثر: "أكل طعامكم الأبرار، وصلت عليكم ملائكة الرحمن، وذكركم الله فيمن عنده".
وبعد الغداء يستريح قليلا من وهج حر الظهيرة، حيث الشمس شديدة والحر قوى فى أعلى صعيد مصر، حتى إذا حانت صلاة العصر أم الناس فى مسجد القرية، وكان يومها متواضعًا، مفروشًا بالحصر، تعلوه قبة خفيفة من التراب، وتطوقه الشمس من كل جهاته، ومع ذلك لم يضق بشىء من هذا، وما ضجر ولا تأفف، وإنما ظل فيه بعد الصلاة يلقى حديثًا دينيًّا استهله بحديث: "وما اجتمع قوم فى بيت من بيوت الله، يتلون كتابه، ويتدارسون آياته، إلا حفتهم الملائكة، وغشيتهم الرحمة.." ثم يمضى يفسر بعضًا من آى القرآن، ويربطها بواقع الناس، ولا أذكر الآن من تفاصيل الحديث شيئًا، وإن بقيت الصورة حية متوهجة فى عقلى وقلبى.
فإذا جن الليل بعد رحلة مرهقة بين دواوين بطون القبيلة المختلفة، وآوى الناس إلى مضاجعهم، انفرد هو بنفسه، فى صمت ومن غير ضجيج، يقرأ ورده، ويؤدى ما اعتاد من صلواته.
كان له رفيق فى هذه الرحلة "أ.ح" وكان يومها شابًا فارعًا، فى مقتبل العمر، موفور الجسد، قوى البنيان، تخرج فى الأزهر حديثًا، يرتدى الزى الأزهرى كاملا: عمامة وقفطانًا وكاكولة، وأذكر واعيًا أن الناس لم يرتاحوا إليه، رأوا فى حركاته تصنعًا وافتعالا، وفى حديثه عجبًا وخيلاء، وكلها فيمن يرون أشياء لا تليق بالعلماء، ولا تعكس ملامح وجهه شيئًا من نور الصالحين وتقاهم، وبدا لهم كأنه يطل عليهم من علٍ، فتركوه فردًا ضائعًا فى ضجيج المتزاحمين حول البنا، وإن أعطوه حق الضيافة كاملا.
ومن كيمان المطاعنة إلى أصفون المطاعنة، حل ضيفًا على عائلة فراج طايع، وكان عميدها قد أمضى أعوامًا يدرس فى الأزهر، دون أن ينال شهادة ما، على عادة الناس فى تلك الأيام، وأصبح عضوًا فى مجلس الشيوخ عن الدائرة، بعد أن عهد إلى الشيخ محمد الأمير أن يقيم شعبة للإخوان فى القرية، وكان هذا أيضًا قد درس عامين فى الأزهر، ولم يكمل دراسته، لأسباب خارجة عن إرادته، واستعاض عن حرمانه هذا بأن أخذ على عاتقه تبعة حث الناس فى القرية على تعليم أبنائهم بإرسالهم إلى المدارس والمعاهد والكليات فى القاهرة، ويصحبهم أحيانًا بنفسه، على ما فى ذلك من جهد ومشقة، وصدق فى جهده.

جولة فى الصعيد
وفى العام التالى، فى شهر سبتمبر 1939م، جاء حسن البنا فى رحلة ثانية، شملت الصعيد كله فى هذه المرة، جاء يؤكد صلته بالناس، ويدعم شعب الإخوان التى أقيمت، وإذا توثقت علاقته بأهلى وقومى، حاول أن يحل مشكلاتهم الاقتصادية والعائلية، وأن يوجههم نحو الخير، وأن يصرفهم عن بعض ما يقومون به من عادات، يسمع بها ولم يرها، كالثأر والتشاحن والعصبية القبلية، وكان احتفاء الناس به كبيرًا فى هذه المرة وقوبل بإطلاق البنادق فى الهواء زيادة فى التكريم.
فى هذه المرة رأيته عن قرب أكثر، فقد كبرت عامًا، وازداد اهتمامى بمعرفته، ولم يغير هو شيئًا فى برنامجه، أو عبادته، أو ملابسه، غير أنه صحب شابًا أزهريًّا آخر، ولا زلت أذكر اسمه، رغم أننى لم أره بعد هذه المرة أبدًا، هو الشيخ عبد المعز عبد الستار، وكان طالبًا فى كلية أصول الدين يومها فيما يقال، وقد أحبه الناس بقريب مما أحبوا البنا، فقد كان متواضعًا وقورًا، يشيع الصلاح من وجهه، "يغضى حياء، ويغضى من مهابته"، وكان البنا وصاحبه قد قدما إلينا فى هذه المرة من أصفون المطاعنة، فلما أنهيا إقامتهما غادرنا إلى إسنا، ليواصلا رحلتهما فى بقية مدن أعلى الصعيد.

فى العاصمة .. قنا
فى العام التالى ذهبت إلى قنا عاصمة المديرية، تلميذًا فى معهدها الابتدائى، وكانت مدينة منطفئة، تبذل جهدًا لكى تحصل فيها على صحيفة أو كتاب، وأمضيت عامى الأول صبيًّا غرًّا، أسكن أطرافها، دون أن أهبطها لغير السينما ليلة الجمعة من كل أسبوع، فلم أعرف خلال عامى هذا من الحياة العامة فيها شيئًا، حتى إذا كان عامى التالى اتخذت سكنى فى شارعها الرئيسى، وبدأت أتعرف على نواحى النشاط فيها، فكنت أتردد من حين لآخر على جمعية الشبان المسلمين، التى قصرت نشاطها على بعض المهرجانات الدينية، فى المواسم المعتادة، مثل رأس السنة الهجرية، والمولد النبوى، وغزوة بدر، وشىء من النشاط الرياضى، وفى تلك الأيام كان الناس يتخذون من المناسبات الدينية وسيلة لتغذية الشعور العام، وإيقاظ روح الوطنية والنضال، ضد المستعمر، دون أن يستطيع منعهم أو التصدى لهم، ويحضر مثل هذه الاحتفالات كبار الموظفين عادة، وتلقى فيها خطبة رئيسية تعرض لتاريخ المناسبة، وتحاول استخراج العظة، وتحث المسلمين على استرداد مجدهم، تتلوها قصائد يلقيها شعراء من أهل الإقليم عادة، متوسطة الجودة فى خيرها، تناجى الرسول عليه الصلاة والسلام، وتبكى المجد الذاهب، وتأسى على الماضى المفقود وتأمل فى غد أفضل حالا.
وكان المعهد الدينى يقيم بدوره حفلا فخيمًا، ويتميز بأن المدير نفسه، وهو ما يعدل وظيفة المحافظ الآن، يحضره بشخصه، يصل برفقة شيخ المعهد، ويسبقه هذا فى خطوه بوصفه رجل دين، رغم أنه مرؤوس له بوصفه موظفًا طبقًا للوائح والقوانين، وهو اعتداد كان الأزهر يومها يدين به لشيخه العظيم محمد مصطفى المراغى عالمًا، وكرامة الهيئة التى يرأسها شيخًا، ولم يحن رأسه لحظة أمام أى مخلوق.
ولكن قنا الهادئة، تحولت عام 1940م إلى مدينة صاخبة تضج بالحركة والجند والسلاح والسيارات والمصفحات، جنود من كل جنس ولون، جاءوا من شتى أطراف الدنيا، من بريطانيا، والهند، ودول أفريقية وأستراليا وأوروبا، وألوف من العمال المصريين معهم، يتلقون أجورًا عالية، ويعملون فى مد خطوط السكك الحديدية والكهرباء والماء بين قنا والقصير على البحر الأحمر، فقد اندلعت الحرب العالمية الثانية قبل ذلك بعام، وعانى الإنجليز من هزائم مريرة فى شمال مصر على الحدود الليبية، وحصارًا عنيفًا فى البحر المتوسط؛ إذ سيطرت عليه الغواصات الألمانية والإيطالية، فأرادوا أن يتلقوا إمداداتهم عن طريق البحر الأحمر، وهو أكثر أمنًا لهم، ويتيح لهم الانسحاب بخسائر أقل فى حالة الهزيمة الكاملة.
وجاء الجنود معهم بكل الأمراض، الجريمة، والسوق السوداء، والسرقات، وأزمة الإسكان، والتضخم، وقلة الموارد التموينية، والملاريا.
فى تلك الأيام أحسست، وأنا على أبواب الشباب أن جمعية الشبان المسلمين مكان طيب لقضاء الوقت، والتدرب على الخطابة، ولكنها بلا غايات سياسية واضحة وصريحة، وأن تحرير الوطن لن يجىء عن طريقها، وكان منظر الجنود الأعاجم من كل الجنسيات والألوان سكارى فى آخر الليل يثيرنا، ويلهب فى أعماقنا الحماسة والتمرد، ويدفعنا إلى الاصطدام بهم دفعًا.
وساقتنى قدماى صدفة إلى شعبة الإخوان المسلمين، وكانت تشغل الدور الأرضى من عمارة فى ميدان المديرية، وهو الرئيسى فى المدينة، وتطل عليه مباشرة، وتتكون من قاعة معدة للمحاضرات تتحول إلى مصلى فى أوقات الصلاة، ومكتبٍ، وغرفة ثالثة، إلى جانب المرافق، وانضممت إليها فى الحال وفى ذاكرتى صورة هذا الرجل العبقرى الذى رأيته فى ديواننا منذ عامين.
كان نشاط الإخوان المسلمين متنوعًا، يشمل المحاضرات والدروس، والتدريب على الخطابة، والرحلات، وكل ضروب التعاون على الخير، والمنضمون إليها من المدرسين فى الثانوية والمعلمين، ومن صغار الموظفين فى جملتهم، وبعض طلاب المعهد الدينى، أما أساتذة المعهد فآثروا أن يظلوا على الحياد، وأن يقنعوا بالوعظ والخطابة فى جمعية الشبان المسلمين.
وفى 20 مايو 1941م أصدر حسين سرى رئيس الوزراء قرارًا بنقل حسن البنا من مدرسة عباس الأول الابتدائية بالقاهرة إلى مدرسة قنا الابتدائية، وكان ذلك مع نهاية العام الدراسى، ولعله جاء ليتسلم العمل فقط، ثم سافر ثانية، لأننى لم أره فى هذا العام، فقد كنت مشغولا بامتحاناتى أيضًا، أما فى العام التالى، وجاء مع بدئه، فقد كنت إلى جوار البنا جل وقتى.

البنا معلمًا
كان البنا نموذجًا فى دقته، موظفًا على ذكاء شديد، وقدرة فائقة فى تحويل المواقف لصالحه، وحين جاءت الأوامر السرية لناظر المدرسة بأن يرهقه بالعمل، فيوكل إليه أقصى قدر من الساعات، والمدارس يومها تجرى على نظام اليوم الكامل، من السابعة والنصف صباحًا حتى الرابعة بعد الظهر، لم يتململ البنا من هذا، وكل ما هنالك أنه رغب فى أن يقوم بتدريس الخط العربى، وسعدت المدرسة برغبته، وسعد بها زملاؤه، فقد كان المدرسون يهربون من هذه المادة؛ لأنهم يرونها أدنى من غيرها، ولعزوف الطلاب عنها، واعتمادها على الموهبة وحدها، وعدم اعتناء المفتشين بها، فأعطوها له شاكرين!.
أما البنا نفسه فكان يهدف من وراء هذه الرغبة إلى غايتين، أولاهما: أن الساعات المقررة للخط أسبوعيًا ساعتان، ومعنى هذا أنه سوف يدرس لكل تلاميذ المدرسة البالغ عددها 15 فصلا، سوف يلتقى بكل هؤلاء الصغار، وهم على أبواب الشباب، فيصنع منهم الرجل الذى يريده لبلاده، وهو ما حدث فعلا، فهذا المدرس البشوش، المبتسم دائمًا، العطوف فى هدوء، والحنون فى وقار، جعل من حصة الخط شيئًا جميلا، يقبل عليها الصغار فرحين، فهو يتباسط معهم فى القول، ويحدثهم عن كثير من شئونهم، ولا يبعد بهم عن عالمهم، ويسألهم فى غير إحراج أو تأنيب: من الذى صلى منهم الصبح فيكافئه ويطريه، ومن الذى يحفظ شيئًا من القرآن فيسمعه منه ويصحح له، فإذا جاءت فسحة وسط النهار تواعد معهم على اللقاء فى مصلى المدرسة.
وبعد شهر واحد كان أحب الأساتذة إلى كل تلاميذ المدرسة بلا استثناء!.
أما الغاية الثانية: فهى أن حصة الخط تنتهى بانقضاء وقتها، فلا تصحيح بعدها، ولا تحضير لها، فيفيد بالقليل الذى تبقى له من اليوم وبقية الليل فى الدعوة ونشرها، واكتساب أنصار لها، وفى القراءة والعبادة.
كان البنا ينزل فى "لوكاندة الجبلاوى الجديدة" وهى أرقى فندق فى قنا على تلك الأيام، ولا يزال مبناها قائمًا إلى يومنا، وإن تدهور حاله وعدا عليه الزمان، وبرنامجه اليومى لا يكاد يختلف، يعود إليها مع الرابعة ليستريح قليلا، ويغير ملابسه، ثم يأتى إلى شعبة الإخوان فيصلى المغرب جماعة بمن فيها، صلاة وقورة خاشعة، لا يطيل فيها فترهق، ولا يجعل منها مجرد أداء واجب فيختصر، وينصرف بعدها إلى تصريف شئون الجماعة، ولقاء الزوار، أو زيارة من على موعد منهم من أهل البلد، أو الهيئات الأخرى إسلامية ومسيحية، ثم يعود إلى صلاة العشاء، وبعده يلقى درسًا دينيًّا هو قراءة فى كتاب إحياء علوم الدين للإمام الغزالى، وكان يثنى عليه كثيرًا، وأول من لفت نظرنا إليه.
أما ليلة الجمعة، فكان يعقب صلاة العشاء محاضرة عامة، يأتيها الجمهور من كل أنحاء المدينة، من المنتسبين إلى الإخوان وغيرهم، وتدور حول قضايا الساعة التى تهم الجماهير، ولكنها تتخذ من الدين منطلقًا.

قلب يعمره حب الناس والطبيعة
أتاح لى القرب من البنا على امتداد تلك الشهور القليلة أن أتبين فيه أشياء كثيرة: الذاكرة القوية، فما رأيته مرة إلا وسألنى عن أهلى بأسمائهم فردًا فردًا، حتى أولئك الذين لقيهم لدقائق قليلة، أو ذُكرت أسماؤهم أمامه مرة واحدة، وقدرته الفائقة على أن يتكلم العربية الصحيحة والبسيطة والواضحة دوامًا، وعفة لسانه، فما رأيته مرة يخوض فى سيرة أحد، أو يذكر شخصًا بسوء، معارضًا أو عدوًّا، وإنما ينقد ما يراه من زيف وباطل، أو خروج على قواعد الدين، نقدًا موضوعيًّا، يشخص الداء، ويصف العلاج، ويأخذ بالأساليب أو يدعو إليها، ويعلو على تناول الأشخاص، ويعمل على أن يجمع ويوحد ويؤلف، ويردد باستمرار: "نعمل سويًّا فيما اتفقنا عليه، ويرحم بعضنا بعضًا فيما اختلفنا فيه".
ورأيته يسع بقلبه الناس جميعًا، من يكبرونه سنًّا، ومن يفوقونه فى الوظائف درجات، فضلاً عمن دونه عمرًا ومقامًا، يهتم بأمره، ويعينهم على تجاوز ما يعترضهم من صعاب، وفيما بعد سوف يضم المركز العام للإخوان المسلمين فى القاهرة إدارة للعلاقات العامة مهمتُها معاونة الإخوان على مستوى القطر المصرى أولا، ثم العالم الإسلامى فيما بعد، على حل مشكلاتهم اليومية والحياتية، ويحرص على أن يجمع الإخوان فى أى مكان على الحب والود والتعاون، وأول ما يبدأ به أى خطبة له زائرًا، أن يذكر مستمعيه بأن يحمل لهم تحيات الإخوان فى المكان القادم منه.
وكان يَشُدُّه جمال الطبيعة، ومنظر النيل، وغروب الشمس، ومهابة الجبال، ويرى فيها بديع صنع الله، وما أكثر ما صحِبَنا فى جولات ونزهات إلى غابة قنا، وكانت قد أنشئت فى تلك الأيام على حافة المدينة، فوق جزء من الصحراء، وهناك نصلى المغرب، لا يحد بصرنا جدران، ولا يعزلنا عن السماء ستار.
ولم تمض غير شهور قليلة حتى أحست إنجلترا المستعمرة، ولها فى قنا قوات ومخابرات، والحكومة المصرية التى كانت تتحرك فى إطارها - أن حسن البنا فى الصعيد أخطر منه فى القاهرة، فهو يتحرك فى مجال بكر مفتوح، ويلتقى بأناس خلص، لم تفسدهم الحضارة، ولم تعرف الطراوة طريقها إلى قلوبهم أو أبدانهم، فردته إلى القاهرة من جديد.
وقبل أن يرحل البنا من قنا أراد أن يفيد من مكانته، ومن حب الناس له، وتعلقهم به، فتمنى عليهم أن تكون دار الإخوان خاصة بهم وملكًا لهم، وليست شقة مستأجرة فى عمارة، فانهالت التبرعات من كل طبقات السكان، وبنوها فى أفضل مكان من المدينة، وضمت الكثير من المؤسسات العلمية والاجتماعية: قاعة محاضرات، وعيادات، ومكتبة، ومصلى، ونزلا للقادمين من الإخوان، وأصبح أعضاؤها وروادها من خيرة موظفى المدينة ممن يعملون فى الإدارات المختلفة.

بعض من عرفت
لا زالت بعض الصور ثابتة فى ذاكرتى، وإن نسيت بعض الأسماء، أذكر الشيخ محمد عبد الظاهر، وكان مأذونًا وصاحب مكتبة، وحركة لا تهدأ وسوف يقضى حياته سجينًا فى الهجمة على الإخوان المسلمين، والفنان سعد الشاذلى، وكان مصورًا موهوبًا، وخلقًا عطرًا، ومات فى التعذيب، ومستشارًا فاضلاً من رجال القضاء، كان يجيئنا فى الدار، ويؤمنا فى الصلاة، ويفسر معنا بعض آى القرآن، وإذا بى أكتشف أنه يحفظ القرآن، ولا تند منه آية، وكان محمد القرط المشرف على المجزر إذا صلى بنا المغرب أو العشاء يقرأ القرآن فى عذوبة خاشعة يرق لها الصخر، وطه عبد السلام لا يكلف بشىء إلا قام به راضيًا مهما يكن شاقًّا، وسوف يكون لحسين رشدى المدرس فى صنايع قنا دور خطير سأعرض له فيما بعد، وكان هناك أحمد السنهورى، وظل وفيًّا لمبدئه حتى يومنا، وإبراهيم دهمش، ولم يكمل رحلته فى التعليم أو فى الإخوان.

فى القاهرة
ولم يكد البنا يصل القاهرة ويستقر فيها حتى كشفت وزارة حسين سرى باشا عن نواياها، فأغلقت مطبوعاتهم، وتمالك الإخوان أعصابهم دون أن يداخلهم خوف أو رعب وفى تلك الأيام - ولعلها كانت أواخر شهر ديسمبر من عام 1941م - سوف يهبط قنا فى القطار الذى يصلها فى السابعة مساء مع أول الليل، وافد من القاهرة هو المناضل والتقى المضحى المرحوم الأستاذ صالح عشماوى، والتقى بالإخوان بعيدًا عن عيون الحكومة والإنجليز، فى فيلا تقع على هامش المدينة، صلى فيها الإخوان العشاء، وتذاكروا أمورهم، وحمل إليهم القرارات: لا نستفز الحكومة، ولكن إذا دعت الحال سوف نواجهها من وراءها، ومع الفجر عاد إلى المحطة، وأخذ القطار الذى يغادرها فجرًا دون أن يحس به أحد.
وأذكر أننا بعدها تدارسنا كيف نواجه الإنجليز فى كل مواقع المدينة الهامة، مراكز تجمع الكهرباء والهاتف، وكيف يمكن أن نقطعها فى دقائق فنعزل المدينة، ونغرقها فى الظلام، ومن يقوم بهذه المهمة وكيف، وجاءنا العاملون فى الإدارات المتصلة بهذه الخدمات بالخرائط كاملة، وتولى حسين رشدى تدريبنا على طريقة فصل الكهرباء فى مجمعاتها دون أن نصاب بأذى، ودرسنا تجمعات القوات البريطانية، ومخازن سلاحها، وكيفية مواجهتها إذا هى تدخلت، ولا أدرى ما الذى كان يحدث فى القاهرة يومها، ولكن لم تمض غير أيام قليلة حتى أفرج عن حسن البنا، وألغى قرار حل الإخوان ومنع اجتماعاتهم، فعادوا يمارسون نشاطهم بأقوى مما كان بعد أن اكتسبوا شعبية هائلة.
ورغم نشاط الإخوان المتسع فى قنا إلا أن الدراسة فى المعهد لم تكن مفيدة أو حتى مسلية، فقد كان مستوى المدرسين هابطًا، ومعلوماتهم التربوية منعدمة، وليس لهم تخصص محدد يعنون به، وكل مدرس يدرس كل شىء، والحياة الثقافية فى المدينة متخلفة، وفى تلك الأيام جاء المعهد معينًا جديدًا الشيخ كامل عجلان، وكان صحفيًّا أديبًا، فزلزل بأسلوبه وطريقته فى الحياة والتعامل والفهم ما جمد من أفكارنا، وحثنى على ترك هذا الجو الخانق، وهكذا قررت أن أرحل إلى القاهرة، وأن أقضى مرحلة التعليم الثانوى فيها.
فى 9 أكتوبر 1944م وصلت القاهرة، وهى تموج بالمظاهرات من كل شكل ولون، فقد أقيلت وزارة الوفد بعد صراع مرير مع القصر الملكى، وجاء فاروق بأحمد ماهر باشا رئيسًا للوزراء، فحل البرلمان، وبدأ يختط سياسة يمثل رأى فاروق مركز الثقل فيها.
وابتلعتنى القاهرة بصخبها، ومظاهراتها الطلابية التى لم تكن تتوقف، وندواتها الثقافية العديدة، فى الجمعيات، والنقابات، والجامعات، وبعضها كنا نحضره مقابل ثمن يعدل ثمن تذكرة السينما، وهكذا احتجت لبعض الوقت لكى تعرف قدمى طريقها إلى المركز العام لجماعة الإخوان المسلمين، وكان يقع فى أهم ميدان من الحلمية الجديدة، وتجىء فى وسط القاهرة تمامًا، وكانت فى مطلع هذا القرن مسكن علية القوم.
كان للإخوان فى الميدان داران، إحداهما قديمة متواضعة، من طابقين، شغلها المركز العام زمنًا، وتحتلها جريدة الإخوان، والثانية قصر منيف، اشتراه الإخوان حديثًا، من تبرعات عمت القطر المصرى كله لهذا المقر ولإصدار الصحيفة اليومية، وشارك فيها المواطنون من كل الطبقات، الأغنياء والفقراء، المثقفون والعمال والرجال والنساء والأطفال، بما يملكون من مدخرات بسيطة أو جواهر وحلىّ، وفى القاعة العربية من هذا القصر، وكانت بالغة الفخامة والروعة، رأيت حسن البنا للمرة الأولى فى القاهرة، وحوله حشد من الناس، يسلمون على الجمهور إثر اجتماع حافل من الاجتماعات التى كانت تقام لنصرة قضية فلسطين، وعرفت بينهم للوهلة الأولى الحاج أمين الحسينى مفتى فلسطين الأكبر، واللواء صالح حرب رئيس جمعية الشبان المسلمين، وآخرين لم أعرف منهم أحدًا.
وانتظرت حتى انتهت الجموع، فتقدمت إليه، تذكرنى فى الحال، ورحب بى، وسألنى كالعادة عن أهلى، فردًا فردًا، وعن حالى وسكنى ودراستى، وأن يرانى من حين لآخر، وبدأت أتردد على المركز العام، وعرفت أن الأستاذ المرشد - وكان هذا لقب البنا - يلقى كل ثلاثاء حديثًا، يبدأ عقب صلاة العشاء، ويمتد حسب الظروف، ساعتين وأحيانًا ثلاث ساعات، وتتدفق الجماهير لسماعه من كل أنحاء القاهرة، ومن المدن والقرى القريبة، وتملأ ساحة القصر والميدان، وتشغل الشوارع التى أمامها، يحملون مقاعدهم، احتراسًا، أو يقفون على أقدامهم فى انتظار أن يسمعوا هذا الرجل الملهم، إنه يعرف ببلاغة لا نظير لها، عمادها الصدق أولا، كيف يأخذ طريقه إلى قلوب الجماهير، وكان الحديث متنوعًا، فى الدين والسياسة، والاقتصاد والاجتماع، وكل ما يمس الحياة، وفى نهاية المحاضرة يتقدم إليه جمهور المستمعين بما يرون استيضاحه، ولأن أعدادهم تمتد إلى نصف كيلو متر تقريبًا، فهم يكتبونها فى أوراق يسلمها المرء لمن أمامه حتى تبلغ البنا فى النهاية، ثم تأتيه الإجابة عليها علانية، عبر مكبرات الصوت، مهما كانت خطورة السؤال.

ثقافته الجامعة
أوتى حسن البنا جوامع الكلم، وكان خير من يطبق القاعدة البلاغية القديمة: لكل مقام مقال، فعنده حديث لكل مستوى، ولمشكلات كل لحظة، وهو يملك ناصية اللغة، معجمًا وقواعد، ويحفظ القرآن كله، ويلم بالحديث فى مجمله، ويدرك أسرارهما واعيًا، ويستخدم ذلك كله فى مهارة، إلى ثقافة معاصرة بلا حدود، يحار المرء معها: كيف وأين ومتى حصلها، فهى لا تقف عند الثقافة الإسلامية وحدها، وإنما تتجاوزها إلى الصراعات العالمية، السياسية والمذهبية، والاجتماعية، والمنجزات الاجتماعية على امتداد العالم كله، إلى شجاعة فائقة، غير متهورة ولا مترددة.
وفى حديث منها جاءه سؤال عما يقال من أموال دفعها إسماعيل صدقى باشا رئيس الوزراء للإخوان كى يستميلهم إلى سياسته، فكان رده: أولا، المنطق أن على من اتهم أن يثبت، فالبينة على من ادعى، فإذا لج فى الخصام، فدعوه وأمره، وقولوا له: ليكن ما تقول، فإن صدقى لم يدفع من جيبه، والإخوان لا ينفقون جماعة فى غير ما ترون وما تعرفون من المؤسسات الإسلامية، وهم قبل ذلك ومن بعد، لا يحيدون عن دعوتهم ولا منهجهم قيد أنملة، ولو بملء الأرض ذهبًا.
وكان هناك حديث آخر أقل شهرة، عرف باسم "حديث الخميس" لطلاب الجامعة ومن فى مستواهم، وهو إلى الحوار والبحث أقرب منه إلى العرض والوعظ، ويدور حول موضوع واحد، وقضية محددة، يتدارسها المجتمعون وهو اتجاه لم يعمر طويلا؛ لأن صاحبه سوف يغيب عن الحياة بعد قليل.
وذات يوم جاء القاهرة قريب لى، هو الشيخ محمد الأمير، ومعرفته بالبنا وثيقة، فذهبنا لرؤياه فى المركز العام، ولأن الرجل كان مشغولا، فقد ضرب لنا موعدًا فى بيته فى صباح اليوم التالى، فى الساعة التاسعة صباحًا.
وفى الموعد المحدد ذهبنا إليه، كان يسكن الحلمية أيضًا، على مقربة من المركز العام فى سكة سنجر الخازن، فى الطابق فوق الأرضى، من بيوت القاهرة القديمة، فقابلنا فى غرفة الاستقبال، وتفتح على السلم مباشرة كعادة البيوت فى تلك الأيام، وفى صمت رحت أتأمل بيت الرجل الذى يهز مشاعر الألوف حين يتحدث، ويلتف حوله المجاهدون العرب، وتتعلق به آمال المواطنين، فإذا به غاية فى البساطة، تشغل المكتبة جدارين منه وفى جانب آخر مكتب متواضع، وأمامه كرسيان خيزران، جلسنا عليهما، على حين جلس هو على مكتبه، وجاء الشاى لنا جميعًا، ودار بينهما حديث عن الناس فى الصعيد، وعن تنظيم شعب الجماعة فى قراه، وعن رعاية أبنائهم الوافدين للتعليم فى القاهرة.
لم تكن جماعة الإخوان يومها مجرد تجمع دينى أو سياسى، أو هما معًا، وإنما قوة ظاهرة، تسيطر على الشارع والمصنع والجامعة، ويحكم حركتها نظام دقيق وتوجه أمورها إدارات متخصصة، وهى أول مؤسسة فى مصر اهتمت بالعالمين العربى والإسلامى باطِّراد، وفى ضوء منهج محكم، وأقامت لذلك إدارة متخصصة تتبع مشاغله وهيئاته، وتغذى كفاحه بما تستطيع.

انسجام الفكر والموقف
وفى تلك الأيام استقال حسن البنا من عمله مدرسًا للغة العربية بالتعليم الابتدائى، دون معاش، ليعطى كل وقته لشئون الدعوة، وحتى يواجه بنفسه متطلبات حياته المتواضعة، أصدر مجلة "المسلمون" المتخصصة، امتيازها له، ويكتب فيها، ويعاونه نخبة من أفاضل العلماء والباحثين، ويأخذ من فائض دخلها ما يعينه على العيش دون زيادة.
كان البنا كما رأيته نموذجًا لا يتكرر بسهولة، سلوكه ينسجم مع فكره ومواقفه تتفق وما يدعو إليه، وشغل حبى له وإيمانى به قائدًا ملهمًا الجانب الأكبر من تفكيرى يومها، وكنت أرى فى المرحوم صالح عشماوى، رئيس تحرير مجلة "النذير" ثم "الدعوة" من بعد، صورة قريبة من البنا، وإن لم يوهب بلاغته وانطلاقه وحكمته، فقد كان التفانى مجسمًا، والإخلاص بشرًا يتحرك على الأرض.
على أن شابًّا فى مثل سنى، لم يكن يومها يساق بما يعرف فحسب؛ لأن ما يعرف لا شىء فى الحقيقة، وإنما يستجيب أيضًا لنبض القلب، وأمور القلب لا تخضع دومًا لحكم العقل، ومن ثم لم أكن – على بساطة تجربتى وتفاهتها - راضيًا عن مواقف عدد من كبار الإخوان.

اثنان نفر منهما قلبى
رأيت أحمد السكرى وكيل الإخوان، ورئيس تحرير الجريدة اليومية فلم ترتح نفسى له، دون تعامل معه، وقد كتب يومها فى صدر الصحيفة أنه استقال من وظيفته ليتفرغ لشئون الدعوة، ويعطيها والصحيفة كل وقته، وكان ذلك صحيحًا فى جانب منه، أما الجانب الآخر فهو أنه ترك وظيفة فى الدرجة السابعة، ومرتبها يومها لا يعدو عشرة جنيهات، وأخذ راتبًا فى صحيفة الإخوان يبلغ مائة وخمسين جنيهًا، وهو الراتب الذى كانت تدفعه كبريات الصحف يومها لرؤساء تحريرها، وهم موظفون مهنيون، لا يزعمون أنهم أصحاب دعوة ولا متفرغون لها، وساعتها أحسست أن فى الأمر خداعًا لآلاف البسطاء من الإخوان الذين أسهموا فى جريدة، مبدأ ليس غايتها الربح، وواقعًا لن تربح شيئًا، وإنما أرادوها سلاحًا فى النضال من أجل ما يؤمنون به، وتمنيت يومها لو اكتفى بما يعينه على مواجهة مطالب العيش، خصوصًا وأن الحياة كانت سهلة ميسرة، وأن راتب الوظيفة التى تركها كان بسيطًا ومحدودًا.
كذلك نفر قلبى من "أ.ح" بعد لقائين؛ إذ رأيت فيه عجبًا وتصنعًا لا يتفقان مع خلق المؤمن القوى، ثم خبرته مدرسًا فى معهد القاهرة لا يلتزم بوقت الدرس، وإذا التزم به لا يقوم بمهمته مدرسًا، وإنما يحدثنا عن أمجاده، فى قيادة المظاهرات الأزهرية لإسقاط الشيخ الظواهرى، والمناداة بالإمام المراغى شيخًا للأزهر، وأشياء أخرى من لغو الحياة وباطلها، وأسفت أن يكون مثله عضوًا بارزًا فى جماعة الإخوان المسلمين.

تدخل بريطانى سافر
كان الإخوان المسلمون فى السنوات التالية لإنهاء الحرب يمثلون قوة رهيبة وثقلا سياسيًا ملحوظًا فى الشارع المصرى، ولا يمكن تجاهله، ويدفعون الجماهير ويقودونها، للمطالبة بإجلاء الإنجليز، ولعبوا دورًا قتاليًّا بارزًا، وبالغ الأهمية، فى حرب فلسطين الأولى، قبل أن تدخلها الجيوش النظامية فى 15مايو عام 1948م، وفى نوفمبر من العام نفسه، عقد قناصل إنجلترا وفرنسا وأمريكا اجتماعًا فى قرية فايد، وكانت تحتلها القوات البريطانية إلى جانب ضفتى قناة السويس على امتدادها، وكلفوا السفير البريطانى أن يطلب من النقراشى باشا رئيس وزراء مصر إصدار قرار بحل جماعة الإخوان المسلمين، وأرسل جورج أوبريان السكرتير السياسى للقائد العام للقوات البريطانية فى الشرق الأوسط، ومقره فايد أيضًا، خطابًا إلى إدارة المخابرات التابعة للقوات البريطانية فى مصر وشرقى البحر المتوسط يخبرها بما دار فى الاجتماع، والنتيجة التى انتهى إليها، وأن السفارة البريطانية فى القاهرة سوف تتخذ الإجراءات اللازمة لحل جمعية الإخوان المسلمين.
وجاء الرد سريعًا، بعد أسبوعين تقريبًا من هذا الاجتماع، ففى 8 ديسمبر 1948م أصدر النقراشى باشا - بوصفه حاكمًا عسكريًا عامًّا - أمرًا بحل جماعة الإخوان المسلمين، ومصادرة شُعبها وممتلكاتها، وكل مؤسساتها وأموالها، وتعطيل صحفها، واعتقال الألوف من أعضائها.
وحاول حسن البنا أن يلتقى مع رئيس الوزراء على حل، فلم يكن راغبًا فى المواجهة، ومع أن قوة الإخوان المسلمين وما أفادوه من تجارب قتالية فى حرب فلسطين يجعل منهم قوة قادرة على مواجهة الحكومة، والانتصار عليها، إلا أن الرجل كان يعرف ويعى جيدًا، أن أكثر من مائة ألف جندى بريطانى يعسكرون فى منطقة القناة، فى انتظار الفرصة المواتية، ومتأهبون لاحتلال مصر من جديد، وبذلك يئدون النهضة الوليدة فى فجرها.
لم يرد لمأساة أحمد عرابى أن تتكرر ثانية! غير أن النقراشى كان حريصًا على أن يظل فى الحكم، وبقاؤه فيه مرتبط برضى فاروق والإنجليز عنه، فركب رأسه، وأصم أذنيه عن أية وساطة أو محاولة إيجاد حل، وفى 28 ديسمبر 1948م، أى بعد عشرين يومًا من قرار الحل، أطلق طالب فى كلية الطب البيطرى الرصاص عليه، أثناء دخوله وزارة الداخلية، بعد أن تخفى الطالب فى زى ضابط شرطة فأرداه قتيلاً.

حادثة 12 فبراير 1949
وجاء إبراهيم عبد الهادى ضعيفًا خانعًا، مضطربًا حريصًا على الحياة، وأصبح رئيسًا للوزراء بعد أن كان رئيسًا للديوان الملكى، وأغرق مصر فى موجة من الاعتقالات والمحاكمات العسكرية، بلا تحقيق ولا تثبت، وعرفت مصر لأول مرة فى تاريخها الحديث تعذيب المعتقلين على نحو بشع، وهناك أكثر من جهة يهمها أن تتخلص من المرشد العام للإخوان المسلمين، وعلى رأسهم فاروق، ولم ينس أن مصر دفعت بقوتين فى حرب فلسطين، الجيش المصرى ويتلقى أوامره من فاروق الذى كان قائده الأعلى، وكتائب الإخوان المسلمين وتتلقى أوامرها من حسن البنا، وإنها أرقى تدريبًا، وأحسن تسليحًا، وأشد فعالية وقابلية للتضحية والفداء، وأنها لم تهزم فى معركة، فبات يخشاهم من قلبه، ومعه الإنجليز، والصهيونية نفسها بعد أن خبرت شبابهم فى القتال، فتجمعوا كلهم، ودفعوا بحكومة إبراهيم عبد الهادى نفسها لاغتيال حسن البنا فى يوم 12فبراير من عام 1949م، فى الساعة الثامنة مساء، ومع أنه تمالك نفسه، ونزل من سيارة الأجرة التى كان يستقلها، واتجه إلى هاتف جمعية الشبان المسلمين حيث كان هناك، وأدار رقمين من مكالمة حاول أن يطلبها قبل أن يغمى عليه، إلا أنه نقل إلى مبنى الإسعاف على بُعد دقائق، ثم إلى قصر العينى، وهناك أجهزوا عليه تمامًا. رحمه الله.
فى صبيحة اليوم التالى كنت أقف فى نافذة البيت الذى أسكنه فى ميدان السيدة عائشة، وبه يمر الطريق إلى مقابر الإمام الشافعى، فرأيت سيارة الموتى، تطوقها قوات ضخمة من الشرطة مدججة بالسلاح، وتتبعها عربات مصفحة تنطلق بسرعة، لا أحد أمامها غير العسكريين، ولا معها ولا وراءها، ولم يخالجنى أدنى شك فى أنها تحمل جثمان الشهيد.
ولم أبك، فقد جف الدمع فى عينى، وتوزعتنى هموم غامرة، عما سوف ينتهى إليه وطنى فى مستقبله القريب والبعيد، ثم قرأت على روحه الفاتحة!.

المصدر: مجلة الدوحة العدد (115) – شوال 1405هـ / يوليو 1985م.
http://www.ikhwanonline.com/Article.aspx?ArtID=138615&SecID=111

حكايات رمضانيه الاستاذ طاهر مكى 6.wmv

الأربعاء، 17 أبريل 2013

د. الطاهر مكى: الذين صنعوا الثورة ضاعوا فى الزحام.


كتب: ماجده فهمى
الدكتور الطاهر مكى أستاذ الأدب بكلية دار العلوم جامعة القاهرة عاشق الأدب الأندلسى, باع طويل فى النقد الأدبى وباحث  له 12 كتابا مترجما عن الفرنسية والأإسبانية, نال وسام العلوم والفنون من الدرجة الأولى عام 1991,  وله العديد من الأبحاث العلمية المنشورة بالمجلات المتخصصة مصر وخارجها فى مجال الدراسات الأدبية. مر بالعديد من التجارب وله آراؤه فى تحولات المثقفين وقضايا الوطن..
قلت أن النقاد لعبوا دورا كبيرا فى تمييع الحياة الأدبية فماذا كنت تقصد؟
أقصد أن الحياة الأدبية كانت تحكمها مجموعة من الشلل فى العهد السابق كما جعل من وسائل الثقافة صديقة لرشوة  المثقفين الكبار لكى يحولوا الثقافة من وسيلة تنبيه وإيقاظ الروح إلى تسلية, والتسلية سم الثقافة وكان الإنسان إما أن يمدح من يريدون أو يصمت, ولم تكن المجلات والصحف مفتوحة لكل كاتب جيد أو ناقد محترم,  وإنما كانت مفتوحة وتدفع بسخاء لمن يكتب كلاما لا معنى له إطلاقا, ولذلك على امتداد ثلاثين عاما لا تجدين بين هؤلاء النقاد الكبار والكتاب العظام من كتب حرفا واحدا ينتقد فيه قوانين الطوارئ حتى آخر لحظة.. كان مجلس الشعب وكانت الصحف والمجلات والإعلام صامتة عن هذه السُبة, رغم أن الحكومة كانت تقول كل مرة إنها تمدها مؤقتا, ولكن هذا التوقيت  المؤقت استمر عشر سنوات فى المرة الأخيرة.
وبعض هؤلاء كانوا يحرمون العاملين معهم فى الصحف من الرواتب المناسبة والمكافآت, فى الوقت الذى يقدمون فيه الهدايا بالملايين لأصحاب النفوذ, وكما تعلمين فإن هؤلاء ردوا تحت ضغط الرأى العام هدايا الأهرام والأخبار والجمهورية  أخيرا, لكن أيضا هناك الذين قبضوا الآلاف لكى يصمتوا من غير هؤلاء السياسيين والكبار لم يسألهم أحد, بعضهم جاء حافيا من قريته وهو يمتلك الآن العقارات والملايين ولا أحد يسأله من أين لك هذا. والغريب أنهم لا يزالون يرفعون أصواتهم بالمعارضة  ويرفعون راية الشرف والوطنية ويقفون منا موقف المعلم, وأنا أتمنى أن تقوم الحكومة الآن بكشف الرواتب والمكافآت التى كات يتقاضاها  هؤلاء الناس, وما زال بعضهم يتلقاها, بعضهم الآن يشغل أكثر من وظيفة بحجة أنهم مستشارون ويتلقون عن هذه وحدها مكافآت قدرها خمسة وعشرون ألف جنيه فى الشهر, فالحكومة مطالبة بأن توضح للرأى  العام هذه الأشياء, والنتيجة الحتمية لكلك هؤلاء أن العدد القليل  من النقاد الشرفاء ترك الساحة وابتعد وخلا الجو لهؤلاء, وأدى ذلك بداهة إلى تدهور الثقافة وتراجع  الإبداع, رغم الدعاوى العريضة لأننا فى مقدمة الدول العربية  فى مجال الشعر والقصة والرواية  والتأليف, وليس ذلك صحيحا على الإطلاق.
لماذا نجح الأقدمون فى صناعة مجالات ثقافية ناجحة ولم ينجح اللاحقون رغم أن إمكانياتهم أفضل؟
أولا: يجب أن نبحث ماذا كان يقرأ الشعب المصرى فى الثلاثينات والأربعينيات والخمسينيات, ما الذى كان يقرأه التلاميذ فى المدارس,  وماذا يقرأون الآن, ماذا كانوا يحفظون من شعر وماذا يحفظون الآن, كانت وزارة المعارف تصرف لتلاميذ المدارس الابتدائية مجموعة من قصائد شوقى أمير الشعراء مكتوبا عليها (الشوقيات للمدارس الثانوية), أما الآن فنجد إنسانا يتشدق بأنه شاعر ولا يحفظ بيتا من الشعر لشاعر كبير, ولا يستطيع أن يقرأ قصيدة قراءة صحيحة, ربما سمع بشوقى أو بحافظ إبراهيم ولكن لا يعرف أن هناك شعراء آخرين عظاما كالبارودى وعلى الجارم, ومحمد عبدالمطلب وآخرين كثيرين, كانوا ملأون ساحة الشعر قبل قيام ثورة 23 يوليو.
ولذلك نفتقد الآن شاعرا واحدا سجل لنا ثورة 25 يناير أوما تلاها من أحداث أو يقول لنا ما قاله شوقى عن الخلافات السياسية:
 إلاما الخلف بينكم إلاما.. علاما الضجة الكبرى علاما
 وفيما يكيد بعضكم لبعض وتبدون  العداوة والخصاما.
 ويغنيها عبدالوهاب.
ويضيف الطاهر مكى أن هناك قلة قليلة تؤدى دورها والحق يقال إن فاروق جويدة حاول أن يكون مخلصا وصادقا فى إبداعه, وهو يصور الأزمات  السياسية التى مررنا بها دون أن ينافق أو يكذب على مواطنيه أو يكذب على نفسه.
هل أنت مع الرأى القائل إن الناقد متطفل على الأديب ؟
ليس صحيحا وإنما الصحيح أن الأديب العظيم يخلق ناقدا عظيما وأن الأدب المهلهل المتخلف يوجد نقدا مهلهلا متخلفا.
ماذا تبقى من طه حسين, العقاد, توفيق الحكيم, يوسف السباعى, إحسان عبدالقدوس, يوسف إدريس؟
هم ليسوا سواء.. بعضهم لأسباب سياسية نال من الشهرة أكثر مما يستحق فلن يبقى له من الذكر مع الزمن إلا القليل وسوف ينسى مثل يوسف السباعى, بعضهم أيضا لم يكن يعنى بلغة ما يكتب مثل يوسف إداريس والذى يبقى الأدب خالدا هو اللغة العظيمة ولذلك لن يبقى من روايات  وقصص يوسف إدريس شىء كثير, أما المسرح فهو بطبيعته  آنى لأنه يقدم مشاكل الأمة الاجتماعية  الحاضرة وهى تتغير ليست هناك مشكلة تدوم أكثر من نصف قرن من الزمان, ولذلك ما كان عظيما فى مسرح العشرينيات والثلاثينيات والأربعينيات  لا يذكره أحد اليوم, فقد حلت مكانه المسلسلات, إحسان عبدالقدوس سوف يبقى أدبه طويلا, طه حسين مشكلة, أولا بعض القضايا الأدبية التى عرض لها تجاوزها الزمن, ولم تعد تقرأ ولا تعنى أحدا ولولا أن بعض كتبه تقررها خطأ وزارة التربية والتعليم على المدارس ولولا أن  هناك بعض المنتفعين بالحديث عنهه من حين إلى آخر لنسيه الناس, من من المصريين الآن يقرأ أو يعرف أن لطه حسين كتبا تحمل اسم " صوت باريس", "لحظات" , "قادة الفكر اليونانى", "صوت أبى العلاء", و"الفتنة الكبرى", " على هامش السيرة", كل هذا كلام انتهى أمره, يبقى العقاد الذى كان أذكى هؤلاء جميعا لأنه تناول قضايا فكرية قومية لا تتغير بتغير الأحوال, رغم أنه يجد إهمالا مقصودا من وزارة الثقافة, ربما لأنه منحاز إلى الفكر الإسلامى  المستنير, فلا نشر له أى كتاب مرة أخرى فى الوقت الذى تملأ الأرصفة بكتب غثة لا يقرأها أحد.
زواج المثقف بالسلطة.. كيف ترى هذا الامر؟
المثقف الحقيقى يتخذ من السلطة موقفا معارضا لا لذات المعارضة, وإنما لأن المثقف الحقيقى يفكر دائما فى الأفضل والأحسن ويطمح فيما هو أجمل من الواقع بكثير والسلطة دائما ملتصقة بالواقع, فلا يكون بينهما وئام أبدا, لا عندنا ولا عند غيرنا, أما المثقف المتفهم مع السلطة والذى يسير وراءها ويبرر أعمالها, ويقول ليس فى الإمكان أبدع مما كان,  فهو ليس مثقفا وإنما هو " تاجر كلام" بصناعته الدجل والكذب والنفاق.
ألا تعتبر قصيدة النثر تطورا طبيعيا للشعر الحر الذى كان تطورا للشعر العمودى؟
القواعد ليس فيها تطور فالشعر العمودى له موسيقى وله قواعد استقرت على امتداد ألف ونصف الألف من الأعوام . والتطوير  والتجديد يكون فى نطاق هذه القواعد, وفى كل أنواع الفنون فالذين يصنعون التطور هم العباقرة وليسوا الناس العاديين, والعباقرة يأتون على قلة, وألف باء التجديد أن تحسن  القديم وتبلغ فيه القمة , لكن الذى حدث أن أدعياء التجديد لا يملك الواحد منهم القدرة على أن يقرأ بيتا منالشعر القديم قراءة صحيحة, فضلا عن أن يبدع بيت شعرا من الأصل , فكيف يجدد ثم هناك خلط فى الأوراق, نحن لسنا ضد التجديد  دائما وإنما ضد ميوعة المصطلحات, فإذا أحدثنا شيئا جديدا, علينا أن نوجد له اسما يميزه, وكذلك صنع علماؤنا فى الماضى, عندما ضاق الأندلسيون بالشعر القديم, ووجدوا أنه لا يلبى حاجات الموسيقى عندهم, ابتدعوا ما نسميه مؤقتا شعرا جديدا متعدد القوافى, وإن جاء فى العروض العربى, أسموه "موشحات", وعندنا عجزت الموشحات عن أن تصل إلى المستمع العادى الذى لا يستوعب اللغة الفصحى . كتبوها باللغة العامية وسموها "الأزجال", فنحن لدينا شعر وموشحات وزجل وكل نوع من هذه الأنواع له قواعده ومتطلباته ومجاله , أما أن نسمى الزجل شعرا أو نسمى الموشحة شعرا, فهذا "خلط" كما لو أطلقنا على الطائرة اسم السيارة الهوائية, أو اسمينا السيارة الطائرة الأرضية, هذه هى المشكلة لكن كل إنسان حر فى أن يعبر بالطريقة التى يستطيعها وهو متمكن منها, و على النقاد الذين يؤمنون بهذا أن يحددوا  لهذا المولود الجديد اسما, وأن يضعوا له قواعد نحتكم إليها, عند تقييمهم, ونلاحظ أن الشعر الحر ولد واحتضر, وهو يموت الآن دون أن يضع  له أحد قواعد نحتكم إليها فى تقييم أدعيائه ولا كتابا واحدا, أما قصيدة النثر فهى فزورة لأن لفظ قصيدة ضد لفظ نثر, ولا نستطيع أن نقول عن شىء إنه أبيض أسود, أو حلو مر, إلا على طريق المجاز, والمجاز لا يصلح للتسمية إلا من قبيل السخرية, فهذا كله كلام إلى زوال, ويضيف د. الطاهر مكى: ليتقدم شاعر عملاق عظيم يقدم النموذج والمثل و"يفرجنى" على أنغامه وأشعاره على الساحة, على نحو ما فعل البارودى قبل قرن ونصف القرن من الزمان, أو فعل أمير الشعراء شوقى بعده وبقية الشعراء العظام, أما التمسك بالخرافات والادعاءات لن يعيد مصر إلى مكانتها السابقة.
ماذا تقصد بعصر الإمعات؟
عصر الإمعات هو العصر الذى يقابل عصر العمالقة , فنعنى بالإمعات, الأقزام الذين لا دور لهم ولامكانة وإنما يفتعلون أشياء وقضايا  يشغلون بها الناس . لكن لحسن الحظ لم يعد أحد يهتم بهم.
من هو الروائى الذى يعبر عن الواقع الآن؟
سوف نحتاج إلى بعض الوقت ليتمثل الروائيون الكبار ما يجرى حولنا لأننا الآن فى  مرحلة ما  عادت حاسمة , نحن فى منتصف الطريق ولذلك أنا حاولت جاهدا أن أبحث عن قصيدة جيدة تعبر عن الواقع الآن فلم أجد, لكننا ننتظر إذا تحسنت الأمور وعدنا إلى الجدية , فقد يولد الأديب الذى يتمثل ما كان قبل الثورة. ويعيش ما يحدث الآن وما سوف تبدعه الثورة فيما بعد  ويكتب لنا كلاما خالدا.
من هو  الشاعر الذى تراه معبرا عن الشعر العربى اليوم؟
الآن لا أعرف شاعرا , ولكنى معجب بما ينشره الأستاذ فاروق جويدة فى "الأهرام" سواء كان وليد اللحظة أو من مختاراته السابقة, أراه شاعرا يعبر  عن هذه الفترة.
قيل كثيرا بعد الثورة إن شعراء وروائيون مهدوا للثورة بكتاباتهم .. فهل هذا صحيح؟
لا .. ولكن الذى مهد للثورة هو " النت" الشبكة العنكبوتية أما الروائيون والمثقفون والشعراء طوال عصر مبارك فكانوا حملة قماقم  للسلطان, ويستحقون المحاكمة, لأن جميعهم ارتشوا وزوروا, وكذبوا ونافقوا, ومدحوا مبارك فى قصائدهم.. قلة منهم صمتت لكنها لم تعارض طوال عصر مبارك.
كان عندنا فؤاد حداد وبيرم التونسى وصلاح جاهين, والدكتور سعيد عبده الذى كان طبيبا وزجالا عظيما, فماذا لدينا الآن بعد هؤلاء؟
لا أحد فى الساحة الآن يرتقى إلى مستوى هؤلاء فى فنه.
دكتوراه من إسبانيا وسبع سنوات إقامة متصلة.. هل رأيت أن أسبانيا استطاعت  محو كل أثر لحضارة الأندلس؟
إسبانيا فى تأثرها بالأندلس ليست بمستوى واحد, فقد أقام المسلمون فى الجنوب قرونا أطول من الشمال, فتركوا آثارا معنوية لا تزال باقية فى أخلاق الناس وعاداتهم وكلامهم, لكن الآثار المادية لم يبق منها إلا القليل, جامع قرطبة ومنارة جامع  أشبيلية . ثم قصور الحمراء فى غرناطة.
كيف ترى المشهد الثقافى فى مصر بعد  عامين من  الثورة؟
المشهد الثقافى عندنا الآن ملىء بالادعاءات, لأن الثقافة ثمرة عمل, والأعمال التى تنبض بالثقافة ليست متوافرة, التعليم متخلف, الحركة النقدية منعدمة العملة الرديئة طردت من السوق العملة الجيدة, فلا يوجد إلا أدعياء لا يملكون الموهبة ولا القدرة على الإبداع , فلابد أن نعترف أن وسائل الإعلام ووزارة الثقافة تلعب دورا كبيرا فى تدمير قوة مصر الناعمة, لا أعرف بلدا فى العالم يشجع على الأدب الأدبى إلا فى مصر, نحن فى مصر نعطى جوائز لأدب اللغة العامية, ومهما يقال عن أدبها فهو أدنى من الأدب الفصيح, لا يصح أن نشجع عليه بأى حال من الأحوال, أما أجهزة الإعلام (الإذاعة والتليفزيون) فقد بدأت تستخدم فى التعريف ببرامجها إما كلمات عامية أو أجنبية, أتمنى التقليل من هذه المهزلة, أما الإعلانات فى الشوارع, وأسماء الأمكنة فيخيل لمن يتابعها أن القاهرة ليست بلدا عربيا فضلا عن أنها أم العالم العربى.
هل انعكست آثار الثورة بعد على المشهد الآن؟
الذين صنعوا الثورة ضاعوا فى الزحام والذين يسيطرون على أمكنتها الآن هم فلول النظام السابق والمأجورون , ومن يقفزون ليفسدوا ويدمروا كل شىء جميل فى هذا البلد , أما الثوار الحقيقيون, فلم يعد لهم حول ولا طول.
ماذا تقول لمصر؟
تمنياتى أن من يحبون هذا البلد ويخلصون له يطالبون بإخلاء الشوارع فورا من البطلجية واللصوص ويستنكرون كل أعمالهم, ويقفون إلى جانب الدولة للنهوض بهذه الأمة ولا يكتمون آراءهم ولا يقفون فى منتصف الطريق . لأن مصر الدولة ستنتصر فى النهاية رغم كل المعوقات.

الخميس، 4 أبريل 2013

عميد دراسات الأدب الأندلسي د. الطاهر مكي: خصوم الثورة أغنياء.

المصدر: الأهرام اليومى
بقلم: محمود القيعي.

إذا كان لكل إنسان نصيب من اسمه، فالدكتور الطاهر أحمد مكي له من اسمه أوفى نصيب. يعرف ذلك كل من عرفه أو اقترب منه أو حاوره. 
له كلمة أثيرة تجرى على لسانه دائما وهي يا ولدي يقولها بلسانه بصدق، فتستقر في أعماق قلبك بسهولة. 
د. الطاهر مكي (مواليد 1924) مثقف وأستاذ أكاديمي ومترجم وناقد وأديب، وله شغف بالسياسة عاش سنوات في اسبانيا ادرك خلالها أهم السمات التي تميز نظرة الأسبان للواقع وابرزها قضية حسين سالم. ناقشناه في النقد، وحاورناه في الترجمة، واستمعنا إليه في السياسة، وأفاض في الحديث عن وزارة الثقافة، فهو يري انها في عهد النظام السابق حادت عن دورها وتحولت إلى شباك لصرف الرشاوي، صابا جام غضبه على المثقفين الذين يأكلون على كل الموائد، ويرقصون على كل الأنغام، وإلى تفاصيل الحوار الذي لا يخلو من إثارة. 
- ما بين فخار الماضي وآلام الذكرى. كيف ترى الأندلس الآن؟
أراها مثالا رائعا مجسما، يجب على العرب أن يتذكروه، وأن يدرسوا كيف كنا، وكيف انتهينا؟كانت الأندلس في عصرها قمة الحضارة، قمة القوة، وكان الأسطول الأندلسي هو المسيطر على غربي البحر الأبيض المتوسط، وكان عبدالرحمن الناصر مرعبا لكل القوى الأوروبية، وكانت قرطبة العاصمة يضرب بها المثل، ويدللون على ذلك بأن هناك قصيدة لراهبة ألمانية في دير منعزل تتخذ من قرطبة في جمالها وروعتها مثلا يحتذى. 
هذه الحضارة كلها اندثرت، لم يبق منها شيء، علينا أن نكون علميين، وأن يعرف كل منا لماذا بلغت هذه الحضارة قمة الروعة؟ ولماذا انهارت واندثرت، ولم يبق منها شيء؟ علميا، إذا تكررت الأسباب، تؤدي إلى النتائج نفسها، علينا أن ندرس أسباب التقدم، لنعيده، وندرس أسباب الانحدار لنتجاوزه، وبغير ذلك، سيظل الإنسان متخوفا من المستقبل. ومأساة الاندلس درس بليغ لمن أراد أن يعتبر. 
- وما أبرز الدروس المستفادة - سياسيا وثقافيا - من مأساة الأندلس؟
أبرز الدروس المستفادة والتي نحاول دائما أن نبرزها في دراساتنا، وفي تذكيرنا للناس، هو أن الاستعانة بالأجنبي لا فائدة منها، ولا طائل من ورائها. 
الأمم ليست جمعيات خيرية، الأمم كلها صاحبة مصالح. 
الذي حدث في الأندلس أن الخلفة والشقاق غير العقلاني أضعف الدولة، وأقول غير العقلاني لأن من طبيعة العقل البشري أن يرى الأشياء من أكثر من زاوية، وأن يبحث عن المخرج الأفضل، وأن يتلاقى عند مصلحة المجموع، لكن الذي حدث في الأندلس أن كل دويلة، وكل فرد، وكل جماعة سياسية كانت تبحث عن مصلحتها الذاتية، فإذا عجزت عن تحقيقها، استعانت بالعدو، وهكذا انتهى الحال بالأندلس، حيث ظل العدو يضرب الدويلات الإسلامية بعضها ببعض، فأتي عليها جميعا، وانتهى منها. 
- أنستطيع أن نقول: ما أشبه الليلة بالبارحة؟
للأسف نفس الظاهرة تتكرر الآن، نحن نستعين على بعضنا البعض بأعدائنا وبخصومنا، ونلجأ إليهم، ونتصور أن الحل عندهم، ويظهرون لنا أنهم معنا، ولكن ذلك كله وهم، ومن هنا، فعلينا أن نتعامل مع غيرنا معاملة الند للند، وألا نتركه يتدخل في شئوننا، وما لم تتم الوحدة والتعاون، سوف ينطبق علينا المثل العربي القديم إنما أكلت يوم أكل الثور الأبيض.
هناك أيضا أشياء كثيرة كان ظاهرها القانون والدستور والديمقراطية، ولكن باطنها كان أشياء أخرى، سببت فسادا وإفسادا للبلد، وأدخلتها في متاهات لا تنتهي أربكت الدولة. 
مصر ليست ملكا للإخوان، مصر للمصريين، ولكن الإخوان نجحوا في كسب ثقة الناس، فلنعطهم الفرصة، لأننا عندما نختلف، يكون الطريق هو صندوق الانتخابات، لا نملك إلا هذا. 
التونسيون سبقونا في احترام نتائج الصندوق، وأذكر أن زعيمة الحزب الشيوعي هناك عندما فاز حزب النهضة، قبلت وقالت إنها تحني رأسها للصندوق وللشعب التونسي. 
ودعني أتساءل: ما هذا التطاول على رئيس الدولة بالحق والباطل؟
- مبارك سحقنا سحقا ولم يستطع إنسان أن يقول له انت فرعون 
وما نراه الآن ليس من الأدب السياسي في شيء على الإطلاق، وأنا لست إخوانيا، ولا أحب مرسي، ولكنه رئيس الجمهورية، ليس معنى ذلك ألا أعارضه وأقدسه، ولكن المطلوب أن نعارضه وننقده ولكن بأدب الحوار. 
ولننظر إلى واقعنا قبل 50 سنة، وسنجد أنه لم يكن لدينا واقع سيئ كما هو الآن. 
الآن هم يزرعون لنا حربا عربية عربية في كل شبر من الأرض العربية، ويستعدون لإشعال هذه الفتن، ويتظاهرون بأنهم مع العدل والحق والحرية، وهم ليسوا على شيء من ذلك إطلاقا. 
عشت في إسبانيا سنوات عديدة، وتعرفت على المجتمع الاسباني عن قرب، كيف تقرأ قضية حسين سالم وكيف يمكن التعامل مع قضية الأموال المنهوبة؟
علينا أن نرى الأمور من وجهة النظر القانونية، أولا هذه البلاد في أعماقها ليست معنا، وتتظاهر بأنها دولة قانون، وهم يعرفون من أسرارنا ومن السرقات التي تمت في بلادنا أكثر مما نعرف، وعندهم من الوثائق ما لو استخدموها، لأعطتهم الحق في القبض على هؤلاء، ولكن ببساطة شديدة هم يستفيدون من هذه الأموال، فلماذا يغلقون بابا يأتي لهم بالخير؟ ولذلك يجب أن نكون منطقيين وواقعيين، وأن نتعامل مع هؤلاء الناس بالوثيقة وبهدوء، وهم لن يعطونا شيئا بسهولة، لأن مآل هذه الأمول ستكون للبلاد التي هي فيها، هو لن يأخذها، ولن ييسروا له الخروج بها، ولو أحسوا أنه سوف ينزح بها إلى بلد آخر، ساعتها هم الذين سيتصدون له، لكن هم يرهبونه، ويتلقون طلباتنا، ويقولون نحن نفحصها، وذلك ليس تطمينا لنا، ولا خدمة لنا، وإنما إرهابا لهؤلاء لكي يستكينوا ويتركوا الأموال لهم. 
- نعرف أن هناك الآلاف من الكلمات العربية دخلت إلى اللغة الإسبانية، فأي المجالات كانت الكلمات العربية أكثر حضورا؟
كل الألفاظ المتصلة بالحضارة دخلت إلى الإسبانية، القاضي، القائد، الدليل، المحافظ، صاحب الشرطة. إلخ. 
لكن الكلمة الوحيدة التي دخلت الاسبانية واستدعت اهتمامي هي كلمة هدية حيث كانت الهدايا شائعة في العصور الوسطى في الأندلس بين حكام الدول وسفرائهم ووزرائهم، وليس الأفراد. وانتقلت الكلمة إلى اللغة الإسبانية، ولكن مع تعديل بسيط في ذلك الوقت، حيث كان حرف الهاء يكتب فاء، فكانت تنطق فدية وفي إحدى المرت رجعت إلى المعجم، لأراجع ما معنى كلمة فدية فوجدت في المعجم أنها كلمة من أصل عربي، ومعناها سبورنو أي رشوة. إذن هناك ألفاظ كثيرة جدا تمثل حضارة، وألفاظ تمثل لونا من العلاقات الاجتماعية، وهي أكثر مما نتصور. 
- بمناسبة الحديث عن الفساد والرشاوى، كيف ترى بيت أبي الطيب عن مصر: نامت نواطير مصر عن ثعالبها. فقد بشمن وما تفنى العناقيد؟
المتنبي كان شاعر الحكمة، والشعر ليس فقط خيالا، ولكنه يصور الواقع الذي حوله، والمتنبي عندما جاء مصر، لم تكن مصر في القمة، وإنما كان يحكمها عبدخصي كافور الاخشيدي والمتنبي في هذا البيت الخالد كان يعبر عن الواقع، وهو يمثل حالنا أيام النظام البائد تمام التمثيل. 
- المثقف والسلطة. علاقة شرعية أم محرمة؟
المثقف لا يكون مثقفا حقيقيا إلا إذا كان في مواجهة السلطة، المثقف الذي يكون مع السلطة هو تاجر كلام، مهنته أن يبيع للشعب كلاما جميلا، لأن الثقافة موقف، وموقف المثقف ليس مع السلطة، وإنما في مواجهتها، وأن يكون رقيبا عليها، ليدافع عن حقوق شعبه بحكم ما أعطاه الله له من معرفة وقدرة على البيان، فإذا لم يستطع أن يقوم بهذه الوظيفة، فعليه أن يتنحى، ويترك المجال لغيره. 
أما هؤلاء الذين يأكلون على كل الموائد، ويرقصون على كل الأنغام، ويرتدون كل الأزياء، فهم ليسوا من الثقافة في شيء، وأعتقد أن أمرهم انكشف الآن، وبرغم ظهورهم على القنوات الفضائية المشبوهة، فإنهم لم يعد لهم قيمة. 
- يرى البعض أن وجود وزارتين للثقافة والإعلام علامة من علامات النظام التسلطي؟
أتفق، وقد طالبت بذلك طوال حياتي، لا أعرف دولة متحضرة فيها وزارة للإعلام، أو للثقافة. 
- ولكن فرنسا بها وزارة ثقافة؟
ديجول كان مغرما بالكاتب الكبير اندريه مالو وعينه وزير دولة للثقافة، بلا إدارة، بلا مسئوليات، وبلا سلطة تنفيذية، وكانت مهامه توجيه رئيس الجمهورية لفهم كيف تكون الثقافة. 
ولكن زارة الثقافة عندنا تحولت علي مدى العقود السابقة إلى وزارة شباك لصرف الرشاوى وليس أكثر من هذا، ووزعت الوزارة من الرشاوى الشيء الكثير. فعندما جاءت ثورة يوليو، واكتشفت ما يسمى بالمصاريف السرية في وزارة الداخلية، أسكتت الأنفس. 
- أعتقد لو أن الوزارة الآن تتبعت الأموال التي صرفت عن طريق المثقفين وللمثقفين، وإذا ما كانوا يستحقونها أم لا؟ فستجد عجبا، وستضع كل إنسان في مكانه. 
والثقافة في عهد وزارة الثقافة انحدرت عندنا انحدارا كبيرا، وأذكر أن الهدف من إنشاء وزارة للثقافة كان القصد منها السيطرة على حركة طبع الكتب ونشرها وأرزاق الأدباء، إذا كنت مع الدولة، تنشر لك، وأبواب الرزق مفتحة، لست مع الدولة سوف تموت جوعا. 
- وما البديل لوزارة الثقافة؟
نسأل أنفسنا: لماذا ازدهرت الثقافة قبل وزارة الثقافة؟ لنبحث ماذا كان يقرأ التلاميذ في الثانوي في ذلك الوقت، وماذا يقرأون الآن؟ التلاميذ في الأربعينيات والخمسينيات كانوا يقرأون من التراث الحيوان للجاحظ، ملخص الأغاني للأصفهاني، ملخص الكامل للمبرد، كتاب المكافأة كاملا لابن الداية الآن التلاميذ لا يقرأون شيئا إطلاقا. ويقرر عليهم كتب مؤلفة تأليفا خصوصيا، كتبها بعض المؤلفين المهيمنين على وزارة التربية والتعليم. 
- وزارة الثقافة تصدر مجلات 13 مجلة لا يقرأها أحد!
كم ننفق على هذه المجلات؟! أحمد حسن الزيات كان يصدر الرسالة أسبوعيا بمفرده، ولم يكن معه سوى كاتب حسابات، وموظف لإرسال المجلة للمشتركين. الآن نرى مجلات وزارة الثقافة وبها رئيس مجلس الإدارة ونائب رئيس مجلس الإدارة، ورئيس التحرير، ونائب رئيس التحرير، ومدير التحرير ونائب مدير التحرير، والمدير الفني، ونائب المدير الفني، إلخ. وهي لا توزع ولا تقرأ وليس لها صدى على الإطلاق، وتكلفنا الكثير!.
أعتقد أن كل هذه الاشياء لم تكن بحاجة إلى وقت لكي توقف. 
كل الناس يعرفون أن مجلة القاهرة أصدرها وزير الثقافة لتدافع عنه، هل وزير الثقافة الآن بحاجة إلى جريدة لتدافع عنه؟! والثقافة لكي تبدع لابد أن تترك للمنافسة الشريفة فقط. 
- عملت بالترجمة وقتا طويلا، هل فقدت مصر ريادتها في الترجمة؟
مع الاسف الشديد، وأذكر أمرين شهدت مصر بلغت فيهما الروعة: تحقيق التراث، والترجمة. 
وأذكر ونحن طلبة في مدريد، ان طالبا من لبنان - رحمه الله اسمه منير ناجي، كان يعد رسالة عن ابن هانئ الأندلسي، وكتب الرسالة وأقرها الأستاذ، وهو غارسيا غومس، وسأله: على أي طبعة لديوان ابن هانئ اعتمدت؟ فذكر له طبعة تصدر في بيروت، ومع أن الإسبان بينهم وبين لبنان صلة بحكم الكاثوليكية، لكن غومس قال له: أعوذ بالله بالعربي! وتساءل: هل هذه الدار يعتمد على طبعتها؟ وقال: عندما يطبع الكتاب محققا في القاهرة، فإن طبعة القاهرة هي التي تكون الأصل، قال: وهل حقق الديوان في القاهرة؟ قال: نعم، حققه (زاهد على) في دار المعارف، فقال له: ولكن هذا الكتاب غير موجود في إسبانيا، فقال له: لا تجمع إلى سوءة الجهل سوءة الكذب، هذا الكتاب موجود عندنا في المكتبة، ونادى سكرتيرته، وطلب منها إحضار الكتاب، فأحضرته. 
مدرسة تحقيق التراث عندنا ماتت، كان آخر العظماء فيها المرحوم محمود الطناحي. 
فيما يتصل بالترجمة أذكر انني كنت في طنجة، وكانت ميناء دوليا، وكانت بها مكتبة كبيرة تبيع الكتب العربية، وجاء رجل وسأل عن كتاب مترجم، فأعطى له كتابين فقال له: أنا أريد الترجمة المصرية، ورفض أن يأخذ الترجمة الأخرى. 
كان التراجمة المصريون هم أعظم التراجمة د. محمد عوض مثلا، عندما نقرأ ترجمته لكتاب النقد الادبي، فكأننا نقرأ كتابا باللغة العربية. 
الآن ليس عندنا مترجمون، إذا كان المترجم يعرف اللغة الأجنبية، لا يعرف العربية. 
- وكيف تقيم أداء المركز القومي للترجمة الآن؟
المركز القومي للترجمة كان أكذوبة كبرى، وكل ما قيل فيه كذب في كذب، بعض الكتب توجد لدى قديمة، يوجد كتاب عن الحوار بين الأديان، كتب سنة 1880، كيف نترجم كتابا كتب منذ ذلك الزمن السحيق؟ لا يعرض للكتب العربية التي تناولت ذلك الموضوع، لأن دار الكتب لدينا أنشئت سنة 1872، فلم تتكون فكرة للمؤلف عن الكتب العربية. أيضا هم يزعمون انهم يترجمون من اللغة الأولى، وكان هذا كذبا صريحا، وكان هذا طريقا للرشاوى الكبيرة، لدرجة أن هناك كتابا ترجمه مترجم جيد أظنه د. نعيم عطية، فأعطيت له مكافأة عشرة آلاف جنيه، ولكن المراجع أخذ خمسين ألفا!.
وتوجد كتب ترجمتها هيئة الكتاب في نفس السنة، لأنه كان مخططا إعطاء هذا عشرة آلاف - وذاك عشرين، وذاك ثلاثين. 
لذلك كان مشروع الترجمة الأول أعظم منه وأروع، واكثر إشاعة للثقافة. 
- هل أعمانا الافتتان بدريدا وبارت وفوكو وغيرهم عن عظمائنا ابن جني، الجرجاني والقرطاجني وابن سلام وغيرهم؟
يقول الشاعر القديم: يقضى على الإنسان في أيام محنته. أن يرى حسنا ما ليس بالحسن
انتشرت حملة استمرت خمسين سنة، تصف كل من يقوم على القديم بأنه ظلامي، ومتخلف، بعض الناس لكي يبرهن على أنه ليس ظلاميا ولا متخلفا، ولا رجعيا، يلوك لسانه ببعض الاسماء الأجنبية، وهو لا يعرف شيئا، وملأوا لنا سوق النقد بمصطلحات الله أعلم بها، غير مفهومة، ولا أحد يعرف من أين جاءوا بها؟ ولا أكتمك أنني حزنت عندما علمت أن قسم البلاغة في دار العلوم لا يدرس عبدالقاهر الجرجاني، لانه في زماننا كانت توجد محاضرة مخصصة اسمها نصوص من عبدالقاهر الجرجاني 
- فعندما يتخرج الطالب من دار العلوم، ولا يعرف من هو عبدالقاهر الجرجاني، فقل على البلاغة والنقد الأدبي السلام، وعندما يتخرج طالب من دار العلوم ولا يحفظ روائع شعر شوقي، فماذا تنتظر منه؟
اما هذه الكتب المترجمة، فتعجب عندما تقرأها، لا تفهمها، لأن الذي ترجمها لايفهم النص الأجنبي، وهي قواعد انتزعت من نصوص اجنبية، كيف تطبقها على لغة عربية عريقة. 
نحن بحاجة إلى نقد أدبي عربي يستفيد إلى أبعد حد من مستحدثات العلم، بشرط أنه هو الذي يتوصل إليها ويضعها في خدمة اللغة، ولا يضع اللغة في خدمة هذه القواعد. 
- الجوائز الأدبية كيف تراها وأنت مرشح لجائزة كبرى الآن؟
هذه الجائزة انا مرشح لها منذ نحو 15 عاما، وتقريبا منذ أن أنشئت وأنا مرشح لها. 
- هل تبرئ الجوائز في مصر من الهوى؟
أعطيك مثالين: في سنة 1992 رشحت لجائزة الدولة التقديرية، ولم أحضر اجتماع القسم الذي رشحني، وتم ترشيحي من جامعة القاهرة، وأرسل الترشيح للمجلس الاعلى للثقافة، وحصلت على 31 صوتا من 39 صوتا، وحصل عاطف صدقي على 30 صوتا، وحصل فتحي سرور على 28 صوتا، وحصل على لطفي على 26 صوتا في الاقتراع الثالث، وخرج د. الأنصاري - رحمه الله - من الاجتماع قبل انتهائه واتصل بي مهنئا، ومع ذلك لم أحصل عليها. 
وكنت كل سنة أرشح للجائزة، لدرجة أن بهاء طاهر - مساه الله بالخير - وليس بيننا صلات - عندما حصل على الجائزة، قال أنا في الواقع كنت أرجوها إما للطاهر مكي أو لكمال بشر. 
وانا لا أهتم بالجوائز ولا أعطيها أى أهمية، لسبب بسيط أن الذين يحكمون عليك باستحقاقك الجائزة من عدمه هم أقل شأنا علميا. 
- كتابك السلطان يستفتي شعبه. أى معنى سياسي وثقافي يكمن وراءه؟
في الحقيقة أن القصة التي تحمل هذا العنوان - وهي قصة شعبية مغربية - كان مقصودا بها أن بعض الناس يصلون إلى رئاسة الدولة وهم خلو من أي فلسفة، ويتصنعون العلم والمعرفة، وهم ليسوا علماء، وليسوا على شيء من معرفة، ويتظاهرون بالديمقراطية وهم في أعماقهم مستبدون، والقصة الوحيدة ذات الطابع السياسي هي هذه القصة، أما باقي الكتاب فهو قصص شعبية. 
- الحرية في مجتمعنا العربي. أزمة حكم أم أزمة مجتمع؟
أزمة مجتمع، لأنها لو كانت أزمة حكم فقط، لطالب الإنسان بالحرية لنفسه ولغيره، ولوقف عند حدوده، لكن الناس الآن في وطننا، يطلبون الحرية لأنفسهم فقط، ويعنون بالديمقراطية أنفسهم، ويتحدثون باسم الجماعة، وليس لديهم جماعة، ويتحدثون باسم الأغلبية، وهم لا يمثلون إلا أنفسهم، إذن الحرية عندنا أزمة مجتمع. 
نحن على امتداد الأعوام الطويلة التي مرت، غاب في فلسفتنا، وفي دراساتنا المعنى الديمقراطي، وأخذنا العناوين فقط، ولسوء الحظ أن الذين كانوا يتداولونها كانوا في الحقيقة خواء من المعرفة، وفي الوقت نفسه كانوا غير جادين، وغير راغبين لا في الديمقراطية، ولا يفهمون الحرية بمعناها السياسي ومعناها الإيجابي الذي يوصل إلى خير الناس جميعا. 
- ونحن نحتفل بعامين على ثورة يناير كيف تقيم هذه الثورة؟
أولا هذه الثورة كانت لابد أن تأتي، وأجمل ما فيها، أنه رغم القبضة الخانقة، استطاع هؤلاء الشبان أن يعيدوا إلى مصر وجهها الأساسي المعروف القومي الوطني، ولكن مع الأسف الشديد أن ثقافة هؤلاء ثقافة نت لم يستطيعوا أن يتجمعوا عند قواعد متفق عليها، ومعروف ان خصوم الثورة كثر، وأغنياء، واخذوا ينفقون ببذخ لإفسادها، فترفقت بنا السبل، وأطعنا وقتا طويلا في اشياء لا تفيد، وهناك أشياء يقصد بها الشر والباطل، وألبست ثوب الحق، ونحن لا نستطيع التعرض لشئون القضاء، ولكنني أذكر مثلا عندما فصل مفيد شهاب نحو 700 استاذ من الجامعة بلغوا السبعين، وأرسلوا لنا خطابات تفيد رفع أسمائنا من كشوفات الجامعة، ولا صلة لكم بها، رفعنا قضية في المحكمة الدستورية، وطالبنا فيها بإلغاء هذا القانون بالنسبة لنا، لأن القانون القديم مطبق علينا، وخرجنا إلى المعاش منذ زمن، وكان معنا عمالقة الفقه الدستوري، فظلت هذه القضية متداولة 4 سنوات، وبعد هذه السنوات الأربع حكم لنا في هذه القضية البسيطة، أما ان تحل مجلس الشعب في جلسة واحدة، وبقرار نافذ!
هناك أيضا أشياء كثيرة كان ظاهرها القانون والدستور والديمقراطية، ولكن باطنها كان أشياء أخرى. 
لابد أن تنقى الثورة، وأن تعطى فرصة للذين نجحوا في الانتخابات أن يخرجوا ما عندهم، ولكنني في نفس الوقت أتوجه برجاء للدولة نفسها، بعض الوزراء كسالى، هناك قرارات لا تستحق أن تؤجل، فمثلا في الجامعات، هناك لجان تسمى لجان ترقيات الأساتذة، منذ مجيء الثورة، ونحن نريد تغييرها، ولا تزال كما هي، ولا يزال 4 أو 5 هم من يتحكم في الترقيات. 
بعض الأشياء في البلد تحتاج إلى حسم، لاسيما الأمور التي تتصل بمصالح الجمهور، ولابد من تذكير الناس بأننا في سفينة واحدة، إذا غرقت، غرقنا جميعا، وإذا نجت، نجونا كلنا. 
- أخيرا ما جديد د. الطاهر؟
من عادتي ألا أعمل في شيء واحد، الآن أنا بصدد نشر رسائل متبادلة ومعاهدات تجارية وسياسية بين مملكة في كتالونيا في إسبانيا، وبين المماليك هنا، وبينهم وبين الحكومة في تونس، والجزائر والمغرب. 
وأهمية هذه الرسائل أنها تلقى ضوءا على علاقاتنا مع إسبانيا، والإسبان أنفسهم نشروها بالإسبانية بالرغم أنها بالعربية، وتعتبر هذه الأشياء جزءا من التاريخ، وتعلمنا هذه الوثائق أن الاقتصاد يلعب الدور الأكبر في علاقات الدول. 
ولدي مخطوطة جيدة أوشكت على الانتهاء منها عن نظم الحرب في الإسلام كان قد وضعها رجل أندلسي في القرن الرابع عشر الميلادي، والعجيب ان الفرنسيين لكي يعرفوا كيف يحاربوننا، ترجموا هذه المخطوطة إلى الفرنسية. 
وانتهيت من كتاب عن صورة صلاح الدين الأيوبي في الأدب الأوروبي الوسيط واكتشفت أن الأوروبيين يحترمونه احتراما شديدا، لدرجة أنهم نصروه، زاعمين انه اعتنق المسيحية، ودفن لديهم، ويشتمل الكتاب على حكايات عن إنسانيته وبطولته في الأدب الإيطالي والفرنسي، والاسباني والانجليزي.