الجمعة، 7 أبريل 2017

الدكتور محمد أبو الفضل بدران يكتب: الطاهر مكى العائد إلى الجنوب.


1.
لماذا أوصى أن يُدفن فى قريته؟ كيف يحرّك الإنسان فى عقله صديقا من دائرة الأحياء إلى دائرة الموتى؟ وأى مشقة يتكبدها المرء وهو يبحث فى أسماء معارفه بالهاتف فلا يبصر إلا رقم عزيز راحل، فينظر مليّا فى حروف اسمه وتنهال الذكريات عسى أن يرجعه مرة أخرى من خلال مواقف وذكريات لا تنسى؟
كيف لأستاذ الأساتذة  الطاهر مكى، كما وصفه الصديق الدكتور علاء رأفت، أن يمضى دونما وداع، ما دار فى خلدى أنى سأرثيه! فكيف لحروف اللغة التى علمنى إياها أن تكون عصيّة على الرثاء؟
2.
"...
كَادَ مِن شُهرةِ اسمِهِ لا يُسَمّى"   البردوني
ها هو البردونى متحدثا عن المتنبى، البردونى الذى ما عرفناه لولا أستاذنا الدكتور الطاهر مكى، فلماذا لا أستعير شطر بيته هذا لنبدأ الحديث عن الطاهر مكى الذى "كادَ مِن شُهرةِ اسمِهِ لا يُسَمّى"،  عندما كنت طالبا فى الفرقة الأولى بالجامعة تمنيت أن أراه بعد أن قرأت كتابه الرائد عن امرئ القيس فى مرحلة الثانوية، وشدّنى هذا الكتاب إلى عالم أمير الشعراء لا منازع، ورحت أقرأ ما كتبه عن دارة جلجل، ولأول مرة أحس حلاوة المعلقات، لقد أهدانى بكتابه هذا عشق الشعر الجاهلى، كيف يتجشم عناء السفر من القاهرة إلى قنا بالقطار، كان القطار يصل إلى المحطة فى الخامسة مساء، ها هو قادم كالرمح فى مشيته المميزة، دخل القاعة فى إباء وتواضع الكبرياء، وقال لنا:
معذرة يا أبنائى فقد تأخر القطار، يا إلهى: الطاهر مكى يعتذر لصبية قادمين من الثانوية، وكان هذا الاعتذار درسا فى تواضع العلماء، ربما لا يدرى الأستاذ كم يؤثر فى طلابه!
وبدأ الطاهر مكى يتحدث عن مصادر الأدب وراح يقدم لنا أبا الفرج الأصفهانى وكتابه الأغانى، وكأنه كان صاحبه وملازمه، يضحك على المواقف التى تعرض لها المجنون قيس، ثم يردف مبتسما: لم تكن ليلى جميلة  ولا حاجة!! ولكنه العشق، يفند الروايات ويحاكم الرواة والأسانيد، تخرج من المحاضرة وقد قرأت الكتاب دون أن تلمسه.
2.
ندعوه لأمسية شعرية وقد أسسنا نادى الأدب والفكر بالكلية، يأتى مكى ويستمع إلينا جميعا شعراء ومتشاعرين ثم ينقدنا فى رفق وتشجيع، هنا كسر عروضى، وهناك صورة غريبة لو... ينتصف الليل، نمشى معه فى شوارع قنا التى يحفظها فقد درس بها فتى، يشرح لنا هنا سكنتُ وهنا تعرفت على المدينة إذ كان قادما من المطاعنة وهى قرية بإسنا، فنداعبه فى احترام "يا مرحبا بقنا وإسنا" فيقول لنا ليس حفنى ناصف وحده المنفى إلى الصعيد، يا ولدى ما يزال الصعيد منفى!! يتحدث عن الصعيد بوله، وكأنه عمدة الصعيد، يحل مشكلاتهم ويجلس معهم فى القرية، ويلاحقونه فى القاهرة، يضحك وهو يحكى لى، يجيئون إلى بالقاهرة، واستأذنت منهم فى الصباح كى أطبع امتحانا سيُوَزع بالكلية فى التاسعة صباح اليوم، عندما عاد لم يجدهم بالشقة فى العجوزة حيث كان يقطن، ويعرف من أخيه المستشار عبد الستار رحمه الله تعالى أنهم غادروا غاضبين "الطاهر سابنا فى الشقة ومشى للشغل"!.
3.
فى مدخل الحمراء كان لقاؤنا
                     ما أطيب اللقيا بلا ميعاد
نجلس مندهشين فى القاعة بقنا؛ ونحن نتجول فى قاعات قصر الحمراء بالأندلس الذى يصفه لنا حجرا حجرا، بيتا بيتا، هذه الأبيات الشعرية، والمقولات "لا غالب إلا الله" فوق جدران الحمراء، يحوّل قصيدة نزار قبانى إلى لوحة عشق وأسى للأندلس، نتخيل هذا الحوار الذى يقرّبه لنا ويصفه لنا وكأنه الراوى العليم الذى صاحَب نزار قبانى فى الحمراء وفى جنة العريف، عندما زرتُ غرناطة ودخلت الحمراء كان دليلى هناك الطاهر مكى، ورحتُ أردد قصيدة نزار بصوت مكى فى قاعة الكلية:
فى مدخل الحمراء كان لقاؤنا ,,,,,, ما أطـيب اللقـيا بلا ميعاد
عينان سوداوان فى حجريهما ,,,,,, تتوالـد الأبعاد مـن أبعـاد
هل أنت إسبانية؟ ساءلـتها ,,,,,, قالت: وفى غـرناطة ميلادى
غرناطة؟ وصحت قرون سبعة ,,,,,, فى تينـك العينين.. بعد رقاد
وأمـية راياتـها مرفوعـة ,,,,,, وجيـادها موصـولة بجيـاد
ما أغرب التاريخ كيف أعادنى ,,,,,, لحفيـدة سـمراء من أحفادي
وجه دمشـقى رأيت خـلاله ,,,,,, أجفان بلقيس وجيـد سعـاد
ورأيت منـزلنا القديم وحجرة ,,,,,, كانـت بها أمى تمد وسـادي
سارت معي.. والشعر يلهث,,, خلفها كسنابـل تركـت بغيـر حصاد
يتألـق القـرط الطـويل بجيدها ,,,,,, مثـل الشموع بليلـة الميـلاد..
ومـشيت مثل الطفل خلف دليلتى ,,,,,, وورائى التاريـخ كـوم رمـاد
 قالت: هنا "الحمراء" زهو جدودنا ,,,,,, فاقـرأ على جـدرانها أمجـادي
أمجادها؟ ومسحت جرحاً نـازفاً ,,,,,, ومسحت جرحاً ثانيـاً بفـؤادي
يا ليت وارثتى الجمـيلة أدركـت،،،،، أن الـذين عـنتـهم أجـدادي
عانـقت فيهـا عنـدما ودعتها ,,,,,, رجلاً يسمـى "طـارق بن زياد"

4.
فى عشقنا اعتمدنا على ابن حزم وطوق الحمامة بتحقيق الطاهر مكى وكنا نتجول فى قرطبة ونحن فى قنا ونقول عن المحبوبة نقلا من شعر ابن حزم :
أغارُ عليكِ من إدراكِ طرفي             وأشفقُ أنْ يُذيبك لَمسُ كفِّى  ...
ثم يقول لنا: تذكّروا أن قائل هذه الأبيات الفقيه ابن حزم، كان يقول ذلك فى الثمانينيات فماذا يقول اليوم؟؟
5.
يدعونا الأمير الفضل بن العباس الدندراوى للحوار والغداء على ضفاف النيل ببيته "ساحة النور" بدندرة، يتحول الطاهر مكى فى حواره من زعيم فى حزب التجمع إلى صوفى حتى النخاع، كنتُ معيدا آنذاك، رأيته يناقش فى الأحوال والمقامات، ورأيت على وجهه سيم الرضا، تحدث الأمير الفضل عن أحوال المسلمين فى العالم، وعما ينبغى أن يكونوا عليه، كان الأكل شهيا لكن الحوار أشهى وألذ.
فى أثناء عودتنا ترجّل مكى فوق كوبرى دندرة الذى يربط بين قنا الشرق ودندرة والترامسة الغرب، مشينا فى معيته وكأننا المريدون فى إثر شيخهم، أو الحلاج وأتباعه على نهر الفرات مرددا:
و اللهِ ما شرقتْ شمسٌ و لا غربتْ             إلاَّ  وذكركَ  مقرونًا  بأنفاسي
 وما خلوتُ إلى قومٍ أحدِّثهم                   إلاَّ وأنتَ حديثى بين جُلاَّسى
و ما هممتُ لشربِ الكأْس مِنْ ظمأ           إلاَّ رأيتُ خيالاً منكَ فى كاسي

6.
استشرته قبل سفرى إلى ألمانيا، نصحنى بالسفر وأن تكون أحلامك باللغة الألمانية، لكن لا تنس موضوع كتابك عن "الخَضِر"، كان يتابع أبحاثى وأشعارى ويقوّمها فى أبوة حانية أحيانا وقاسية فى أحايين أخرى، وهو يتمثل بالبيت الشهير:
فقسا ليزدجروا ومن يك حازما     فليقس أحيانا على من يرحمُ
7.
حدثنى عن الأدب الإسلامى المقارن، أستطيع أن أقول إنه دلّنا على كنز لم ننتبه إليه، هل كنا مندوهين بنداهة الغرب فى الأدب المقارن، وكأن مركزية الغرب فى كل شىء حتى فى الأدب المقارن، كيف لم نتجه إلى الأدب الإفريقى والأوردى والتركى والفارسى وغير ذلك مما يجاورنا ونعيش فى معيته دون أن نلتفت إليه، أرى أن ذلك كان فتحا جديدا فى الدراسات المقارنة؛ وكم فرح بكتابى "الخضر فى الآداب العالمية" الذى قال لى: "هذا هو الكتاب الذى تمنيت أن أكتبه" فرحى بمقولته فرح لا يوصف، كيف لأستاذ فى قامته يشجع تلميذه بهذا الكلام، وكأنه نسى أن هذا الكتاب وليد محاورات معه ونبت كتابه عن الأدب الإسلامى المقارن.
8.
يقرر أن يرشح نفسه لانتخابات مجلس الشعب عن محافظة قنا ضد أمين حزب مصر الحاكم آنذاك، أقيمُ له أمسية فى حبه بقريتى العويضات بقفط، يتجمع أهلى والقرى المجاورة فى مشهد لم تره القرية من قبل، الجميع يتدافع للسلام عليه، الأطفال يفترشون الأرض تحت جميزة المَلَقَه كما نسمى ميدان القرية، يربط مكى بين مَلَقَة العويضات و"ملقا" الأندلس وينشد الشعراء قصائد فى مدحه يحثونه كى يمضى فى الترشح حتى يخلصنا؛ يقول له الشاعر العامى ربيع فريد:
"
يا نور المنادرْ
يا طاهر يا طاهرْ
يا نائب بلادنا
كفاية وجودكْ
وعلمك وجودك
يا نور المنادر"
ويقف الطاهر مكى وقد هاله هذا الجمع وهذا الحب ليقول "لقد كان أحمد شوقى يقصدنى عندما قال: قد يهون العمرُ إلا ساعةَ     وتهون الأرضُ إلا موضعا
ويصفق له الحضور فيعلق على صِبية تسلقوا شجرة الجميز العريقة أمام مندرتنا وهم يصفقون له فيطلب منهم أن يمسكوا بأطراف الشجرة حتى لا يسقطوا وأنه مقدر حضورهم وفرحهم به راجيا فى مودة أن يتركوا أمر التصفيق للأرضيين، وتضج الملقه بالتصفيق والبهجة.
يأخذ من الأصوات ما يحقق له الفوز ولكن النتيجة نجاح الآخر!!!!
9.
عندما كنا طلابا فى السبعينيات كتب الطاهر مكى فى الصحف والمجلات مطالبا بإنشاء جامعة فى قنا، قابل المسئولين فى حماس، وكان معه الدكتور إسماعيل معتوق رحمه الله، ولم يكن أحد يعتقد فى جدوى ما يكتب لكن تحولت الكليات الثلاث إلى فرع لجامعة أسيوط، ولم تفتر همته بل دافع حتى تحقق له فى 1995 إنشاء جامعة جنوب الوادى فى قنا، كلنا فى الجامعة مدينون لهذا الرجل.
10.
تعدّ  طالبتى منى عبد العظيم رسالة ماجستير عن الطاهر مكى مبدعا وناقدا، يكتب لها سيرته الذاتية فى صفحات قليلة، فأقول لها: ليته ما سكت، إنه لا يود أن يتكلم عن نفسه، لديه مخزون من المعلومات والأسرار، متى يبوح به، ومتى يكتب سيرته الذاتية؟ ستكون مرجعا لحقب لم نعشها وخبايا لمّا تكتشف بعد، متى تبدأ؟
11.
كم كان فرحا وهو يقرأ مقالاتى عنه فى الحياة ودراسات ثقافية وفى "العرب" اللندنية، وغيرها يهاتفنى شاكرا، وهو لا يعرف أنى اتخذته قدوة لى منذ أن قرأته، عندما أتصفح ما كتب أوقن أن هذا الرجل قد جاء فى زمن ليأخذ أمثالنا إلى العلم، وعندما أرى نصف مليون من الشباب تخرّج من جامعة جنوب الوادى مذ كانت فرعا لجامعة أسيوط أوقن أن هذه هى الصدقة الجارية والعلم الصالح الذى ينتفع به، وأن أبى عندما قال له "لا تنسنا من دعائك" كان فى قلبه أن "العلماء ورثة الأنبياء".
12.
أستاذى الدكتور الطاهر مكى وداعا كم يفزع القلب بآماله إلى تكذيب حقيقة موتك عندما يجزع فى وفاة عالم كبير وأستاذ عزيز على القلب والعقل لكنها مشيئة الله تعالى فلك الخلد ولنا أجر الصبر، كان الطاهر مكى الأستاذ الذى جمع بين التدريس والتأليف والترجمة والتنظير والتحقيق.. كان موسوعة فى علمه وخلقه فقد تخرج من كلية دار العلوم مع مرتبة الشرف فى 1952 وحصل على دكتوراه الدولة بامتياز من جامعة مدريد 1961 وعمل أستاذا بجامعات أمريكا اللاتينية وتونس والمغرب والجزائر والإمارات العربية المتحدة وغيرها ويعد رائدا من رواد الأدب الأندلسى، آمل أن نجدد مكتبته العامرة بإسنا وأن يكون له قصر ثقافة يحمل اسمه وأن نحافظ على مكتبته بالقاهرة وأن تنشئ جامعة القاهرة حقل دراسات باسمه فى الأدب والنقد ومن الجدير بالذكر أن جامعة جنوب الوادى قد رشحته هذا العام لنيل جائزة النيل.

 أستاذى الطاهر مكى: إلى لقاء
المصدر: اليوم السابع

الخميس، 6 أبريل 2017

كتب الأستاذ الدكتور محمد أبو الفضل بدران.



أستاذي د. الطاهر مكي.. وداعاً
كم يفزع القلب بآماله إلي تكذيب حقيقة الموت عندما يجزع في وفاة عالم كبير وأستاذ عزيز علي القلب والعقل! لكنها مشيئة الله تعالي فلك الخلد ولنا أجر الصبر.
كان الطاهر مكي الأستاذ الذي جمع بين التدريس والتأليف والترجمة والتنظير والتحقيق.. كان موسوعة في علمه وخلقه فقد تخرج في كلية دار العلوم مع مرتبة الشرف في عام 1952 وحصل علي دكتوراه الدولة بامتياز من جامعة مدريد 1961 وعمل أستاذا بجامعات أمريكا اللاتينية وتونس والمغرب والجزائر والإمارات العربية المتحدة وغيرها
ويعد رائدا من رواد الأدب الأندلسي.
أستاذي الطاهر مكي: إلي لقاء..


المصدر: جريدة الأخبار.         واقرأ له على البوابة نيوز

الأربعاء، 5 أبريل 2017

البقاء لله

إنا لله وإنا إليه راجعون
ياااه يا دكتورنا ...........
ياااه يا أستاذنا الدكتور الطاهر مكي
والله العظيم هتوحشنا
هيوحشنا لطفك معنا ، يا سلام لما كان يقول: (حاضر يا ولدي...)
ولما كان يسألني على بحوثي التي انتهيت منها ... وأنا هيبة منه أزود واحد عما أنهيت ... كنت أكذب، وكان يقول لي (شد حيلك يا ولدي ....)
لو رأيته وسنه تسعين سنة وهو يقوم بنفسه ليقدم لك واجب الضيافة... طوال عمره كان يفرح بزيارتنا له .... اللهم فرحه بلقائك يا رب العالمين
اللهم فقد كان رجلا كريما فأكرمه يا رب العالمين
اللهم إني أشهد أمامك وأمام جميع خلقك أنني لم أر منه إلا كل خير .. اللهم أنت أكرم منه وأعظ ولك المثل الأعلى اللهم عامله أفضل من معاملته لنا وقابله أفضل مما كان يقابلنا به يا رب العلمين.
الدكتور الطاهر مكي (رحمه الله) له مهابة في نفوس تلاميذه وأبنائه، فلم أستطع محادثته في الهاتف وأنا جالس أبدا، فقد كنت أقف بغير إرادة مني، والغريب أنني سمعت مثل هذا من أكثر تلاميذه ... فاللهم إنا نسألك أن تجعل له مكانا في جنتك أكبر مما له في نفوسنا وأعظم، فأنت العلي الأكرم يا رب العالمين.
ياااه مما كنت أحكيه عنه لأولادي وزوجتي، تمنوا رؤيته، فأخذت بعضهم إليه، فأكرمهم بي، وأكبرني أمامهم... فاللهم لا تخذله أما أحد من ملائكتك  في حياته الآخرة يا رب العالمين.
ماذا أقول....
أستحي من الإطالة أمامك...
ولكنه كلام بعيد عن النفاق
فقد مات الرجل
رحمه الله
لا إله إلا الله ...

  تلميذه رحمه الله د. محمود النوبي أحمد
آداب قنا - جامعة جنوب الوادي


البقاء لله وحده


ببالغ الأسى والحزن أنعي إليكم فقيد العلم والمعرفة والدنا جميعاً الأستاذ الدكتور الطاهر أحمد مكي .... البقاء لله وحده

الأستاذ الدكتور الطاهر مكي

الأحد، 19 مارس 2017

منهج الطاهر مكي في الدراسات المقارنة نظرا وتطبيقا....د. يمنى رجب إبراهيم


منهج الطاهر مكي
في الدراسات المقارنة نظرا وتطبيقا

د. يمنى رجب إبراهيم (*)

بدأ الأدب المقارن في الظهور في عالمنا العربي بمحاولات تمهيدية قام بها أمثال: فخري أبو السعود، ونجيب العقيقي، وغيرهما.
واتسمت هذه المحاولات بالاضطراب والخلط بين المفاهيم؛ حيث أقيمت الموازنة مقام المقارنة أحياناً. لكن هذه المحاولات كان لها فضل التمهيد والتعريف بفكرة الأدب المقارن في عالمنا العربي.
حتى كانت عودة: محمد غنيمي هلال من بعثته الدراسية في فرنسا عام1952، حيث أصدر كتابه: (الأدب المقارن) ط1- عام1952م. مؤصِّلاً للمدرسة الفرنسية في منهج المقارنة. ثم توالت دراساته وتطبيقاته حتى عُدَّ بذلك رائداً فعلياً للدراسات الأدبية المقارنة في عالمنا العربي.
ولم يقتصر دوره على ذلك فحسب، بل تعداه إلى موقع التأثير في الحركة التقارنية في مصر والعالم العربي بشكلٍ عميق. وسار على المنهج الفرنسي المقارن- الذي كان غنيمي هلال يؤسّس له- العديد من المقارنين العرب لفترة طويلة.
ثم ظهرت الحاجة إلى التطوير، وبخاصة مع ظهور مناهج أخرى تزاحم المنهج الفرنسي في المقارنة وتثبت كفاءتها. وبدأت مرحلة جديدة مع الطاهر أحمد مكي الذي عاد من بعثته الدراسية في إسبانيا بعد أن اطَّلع على العديد من المناهج المتصلة بالمنهج الفرنسي والمختلفة عنه، فأصدر كتابه الضخم (الأدب المقارن، أصوله وتطوره ومناهجه) عام 1987.
1- ومن المهم أن نرى أنه منذ تأليف كتاب غنيمي هلال في الأدب المقارن عام1952م كان تقدم الأدب المقارن في مصر بطيئا حتى ظهور كتاب (الأدب المقارن) للطاهر مكي عام1987 في طبعته الأولى أي بفارق خمسة وثلاثين عاماً. ومعنى ذلك ضرورة وجود تجديد قام به مؤلف الكتاب كما ذكر في مقدمته، حيث هدف إلى تغيير مسار الأدب نحو وجهات جديدة تمثلت في توسيع النظرة المقارنة وعدم حصرها في المنهج الفرنسي، ولفت الانتباه إلى المنهج الأمريكي المنفتح، بل وإلى المناهج الأخرى في الأدب المقارن. فكان بذلك رائداً للجيل الثاني في الأدب المقارن في العالم العربي.
2-  كما لفت الانتباه إلى تأثير الأدب العربي بعامة، والأندلسي بخاصة في الأدب الأوربي عن طريق الوسيط الحيوي: الأندلس(إسبانيا)التي قضى فيها الطاهر مكي تسع سنوات يتغذى بالصلات القوية بين الأدبين:العربي،والأوروبي حيث تعددت جوانب التأثير ليس فقط في الكتب والمؤلفات، بل في المعمار،والفلسفة،والسياسة، والنحت، وأوجه الفن جميعها.
أ‌.وتعدّ جِدَّة الموضوع إحدى صعوباته؛ حيث لم يُكتب فيه من قبل إلا القليل، بينما كثر الحديث عن محمد غنيمي هلال وتنوَّع بين كتب، ومقالات، ومؤلفات عديدة ترصد اتجاهه التقارنيّ باعتباره مؤسساً للجيل الأول للأدب المقارن في مصر والعالم العربي. لذا كان لزاماً عليَّ أن:
أجمع مؤلفات الطاهر مكي المقارنة وترجماته، وما كُتِبَ عنه، وأقوم
بقراءتها وتحليلها. وأقوم بالعديد من اللقاءات التسجيلية معه للوقوف على
مسيرته في مجال المقارنة.   
ب‌.  يتميز أسلوب الطاهر مكي في التأليف بالتدفق الغزير. فهو يذكر المعلومات في إسهاب واضح لكثرتها وعمقها. لكن مع ندرة توثيقه للمصادر والمراجع في الهامش. وكان ذلك من صعوبات البحث؛ حيث يتعذّر الرجوع إلى أصل المعلومة إلا عن طريق الرجوع إلا سيادته.
ج‌-  قلة المصادر والمراجع المترجمة عن الأدب الإسباني في المكتبات العربية، كذلك قلة المصادر والمراجع المختصة بمسألة التأثير العربي الأندلسي في الأدب الإسباني والغربي بشكلٍ عام. الأمر الذي يتطلب الكثير من البحث، واللجوء إلى مصادر بلغاتٍ أخرى مثل الإنجليزية والأمريكية. وقد أفادني أستاذي الفاضل: الأستاذ الدكتور: يوسف نوفل بمعرفة كثير من المصادر والمراجع المهمة وأمدني ببعضها ،وأرشدني الى مظان وجودها.
ومن الدراسات السابقة: التي تناولت الجانب التقارني عند الطاهر مكي:
1- (ثلاثة كتب في الأدب المقارن) للدكتور: شعبان عبدالجيد- المنوفية 2003 الذي يعرض فيه عرضاً مختصراً لثلاثةٍ من كتب الدكتور الطاهر مكي هي: الأدب المقارن، وفي الأدب المقارن، مقدمة في الأدب الإسلامي المقارن.
- والدراسة الثانية كانت:
2- (بين الطاهر مكي وثرفانتس) للدكتور محمد المسلماني، الزقازيق، 2008. وهي دراسة موسَّعة لمقال الدكتورالطاهر مكي: (أصداء عربية في قصة إسبانية) عن ثربانتس.
وقد اعتمدتُ في دراستي المنهج الوصفي التحليلي. وذلك بعد الاستقراء الشامل لمؤلفات الدكتور الطاهر أحمد مكي المقارنة، وترجماته المتعددة لاستنباط رؤيته الأصيلة في الأدب المقارن في الجانبين: النظري والتطبيقي مع القيام بحصر بيبليوجرافي لأعماله.
وفي ضوء ما سبق جعلتُ البحث مكوناً من: مقدمة، وتمهيد، وبابين، وخاتمة. وتفصيل ذلك كالآتي:
تمهيد:
تناولتُ فيه واقع الأدب المقارن في العالم العربي بداية من المحاولات التمهيدية حتى البداية المنهجية مع غنيمي هلال. ثم تناولتُ بالبحث: المقارِن: الأستاذ الدكتور الطاهر أحمد مكي: ثقافته، اتجاهه إلى دراسة الأدب المقارن.
الباب الأول:
 التنظير لقضايا الأدب المقارن عند الطاهر مكي.
وهو مُكوَّن من فصلين:
الفصل الأول: مفهوم الأدب المقارن:
وفيه بحثتُ مفهوم مصطلح الأدب المقارن حسب منهج المدرسة الفرنسية في المقارنة، وكيف تطور هذا المفهوم إلى شكلٍ آخر هو الأدب العام بالمفهوم الأمريكي الحديث الذي يعدّ أكثر انفتاحاً من المفهوم القديم. كما تناولتُ وجهة نظر الطاهر مكي ومحاولته التوفيق بين المفهومين بشكلٍ يلائم الدراسة الأدبية المقارنة الحديثة. كما تناولت مجالات البحث في الأدب المقارن؛ حيث تتّم دراسة أحد موضوعين: موضوع الانتقال أو كيفية الانتقال. كما تناولتُ عوامل الانتقال مثل: الكتب والمطبوعات،و الكتاب والمؤلفين.... ودراسة التأثير وطرائقه، والمصادر، والرحلة والرحالة وغيرها.
كما تناولتُ عدة الباحث المقارن وعناصر تكوينه الثقافي.
الفصل الثاني: قضايا الأدب المقارن:
وقد بحثتُ فيه بعض القضايا المهمة في ميدان الأدب المقارن مثل: الموضوعات والمواقف، حيث تَعدُّد أشكال كلٍ منهما وضرورة التزام منهج تقارني خاص في دراستهما. كذا تناولت دراسة النماذج البشرية دراسة مقارنة بمختلف أنواعها وموقف الطاهر مكي من تلك الدراسة. كما تناولتُ الأنواع الأدبية وتقسيم الطاهر مكي لها إلى شعر، ونثر، وخطابة. ودرست كيفية رسمه منهج دراستها تقارنياً. كما تناولتُ دراسة التأثيرات المتبادلة بين الفنون من وجهة نظر الأدب المقارن. ومن قضايا الأدب المقارن المهمة الأدب العام، والأدب العالمي. حيث يعدّ الأدب العام- من وجهة نظر الطاهر مكي- مكمّلاً لدراسة الأدب المقارن، وممهِّداً لدراسة الأدب العالمي.
الباب الثاني: التطبيق عند الطاهر مكي:
وهو مقسَّم إلى ثلاثة فصول:

الفصل الأول: الشعر:
حيث تناولتُ فيه دراسة الطاهر مكي التطبيقية المقارنة لموضوعات شعرية عديدة هي : ملحمة السِّيْد،و شعراء التروبادور،و الموت بين نازك الملائكة ولوركا.
الفصل الثاني: النثر:
وبحثتُ فيه تطبيق الطاهر مكي المنهج التقارني في بحثه عدة موضوعات نثرية هي: كتاب طوق الحمامة لابن حزم وتأثيراته، وكتاب تربية العلماء لـ بدرو ألفونسو،و قصة ربح الأصدقاء لثربانتس، وتأثرها بقصة عربية، وكتاب قصص الحمراء لـ واشنطن إرفنج.
الفصل الثالث: الطاهر مكي، والترجمة، والمجال التقارني:
وتناولتُ فيه بداية أن الترجمة تعد فرعاً حديثاً من فروع الأدب المقارن، ومنهج المقارِن في دراسته للترجمة دراسة تقارنية، وجهود الترجمة في العالم العربي في مجال الشعر والنثر;لما لها من صلات قوية بعالم المقارنة. كما تناولتُ علاقة الطاهر مكي بالترجمة، وجهوده الغزيرة فيها، وأسلوبه المتميز بوصفه مترجماً أدبياً.
وقد رجعْت إلى مراجع عديدة في هذا المجال، أترك الإشارة التفصيلية لها في حديثي في التمهيد تجنباً للتكرار.
ولا يسعني – بعد ذلك- سوى أن أتقَّدم بخالص الثناء إلى أستاذي الفاضل: الأستاذ الدكتور: (يوسف حسن نوفل)الذي سعدتُ بإشرافه على هذا البحث. فكان كريماً في عطائه العلمي الغزير، رحب الصدر دائماً. نفع الله بعلمه، وجزاه عني خير الجزاء
كما أشكرُ القائمين على أمر: مكتبات كلية البنات، وكلية الآداب، وكلية الألسن بجامعة عين شمس على معاونتهم لي.
كذا: دار الكتب،والمكتبة المركزية بجامعة القاهرة،ومكتبة المجلس الأعلى للثقافة.
وقد قيل قديماً: "لا ينبغي أن يخلو تصنيف من أحد المعاني الثمانية التي تصنف لها العلماء وهي: اختراع معدوم، أو جمع مفترق، أو تكميل ناقص، أو تفصيل مجمل، أو تهذيب مطول، أو ترتيب مخلَّط، أو تعيين مبهم أو تبيين خطأ".([1])
وقد بذلتُ ما في وسعي من جهد حتى يخرج هذا العمل بهذه الصورة، فالله أسأل أن يكون قد حاز التوفيق باستيفاء بعض هذه المعاني، وأن ينفع به ويتقبله. والله من وراء القصد.
****

الهوامش:


(*) أستاذ مساعد في الأدب المقارن - كلية البنات جامعة عين شمس.



([1]) قواعد التحديث: محمد جمال الدين: تحقيق: محمد بهجة. دار إحياء الكتب العربية. د.ت:38. 

الاثنين، 6 مارس 2017

أحمد محارم : تحية للطاهر أحمد مكي في عيد ميلادة التسعين

أحمد محارم يكتب من نيويورك


عميد الادب العربى المقارن الدكتور الطاهر احمد مكى في عيد ميلاده التسعين

الناس عادة يرددون المقولة الشهيرة ( لاتلوم الانسان بل نلوم الظروف ) في محاولة لفهم او تفسير لماذا تفوق البعض حين فشل الاخرون وفى الغالب نحن نقف مشدودين امام تجارب ناس نجحوا وتفوقوا في ظل أوضاع وظروف بسيطة لا يمكن ان تساعد الانسان على ان ياتى بالمستحيل .

الدكتور الطاهر احمد مكي ولد ونشا في احدى قرى قنا في صعيد مصر – ونحن لو تخيلنا صعيد مصر من 90 سنه فلنا ان نقدر مدى الجهد والنضال لمن ولد في هذا الوقت وفى ظل أوضاع بسيطة ومتواضعة ان يصل الى هذا القدر من النجاح والشهرة .

يقال انه أيام كان تلميذا بمرحلة التعليم الابتدائية كانت نسخة واحدة من جريدة الاهرام تصل يوميا الى البلد وكان الاشتراك السنوي للجريدة مبلغ 120 قرش في هذا الوقت وكان ثلاثة من اعيان البلد يشتركون في شرائها وقراءتها ومن ثم كان يحص عليها بعد ذلك مجانا ويقراءها على أبناء القرية بمعنى انه كان يتحول الى راديو ( مذياع ) لكى يساعد البسطاء من الناس في معرفة ماذا يحدث في الدنيا .

تعلم ودرس واجاد 6 لغات بما فيهم اللغة الاسبانية وليست الفصحى فقط بل اللهجات الاسبانية المحلية أيضا .

صدرت له مجموعة من الكتب ومنها الكتاب الاول والذى حمل عنوان ( دراسة في مصادر الادب ) وكان وقت صدوره يعمل معيدا بالجامعه واعيد طبع هذا الكتاب 20 مرة .
كثير من الذين تميزوا للأسف الشديد لايعرفهم احد الا القليلين ربما من التلاميذ او المريدين او المهتميين ونح في حاجة الى ان تكون عندنا صحوة ونتحدث عن هذه النماذج المشرفة حتى يجد الجيل الجديد من الأبناء والاحفاد نماذج امامه يحاول مع الاقتراب ان يكون لكل منهم مثله الأعلى – فكما اننا نهتم بالفنون والفنانيين والرياضة والرياضيين وهذا يعد شيئا جيدا ومن الأهم أيضا ان نهتم بكل من تميز في اى مجال من مجالات الحياة .

التلفزيون المصرى في بدايته عندما كان الارسال بالابيض والأسود قدم برامج بسيطة جميلة وهادفة ومنها على ما اذكر برنامج نجمك المفضل – كنا نجلس تلاميذا صغارا وسط الكبار لنسمع ونشاهد ونتعلم .

التعليم هو مشكلتنا الكبرى ونحن حيارى بين مفهوم القدرات او الظروف ومهما كانت الظروف فان القدرات كانت ولازالت وسوف تظل هي السر الأكبر في التفوق فكيف ننمى هذه القدرات والسؤال مطروح لكل من يهمه الامر في بلدنا والتي تزخر بالعديد منهم .



http://elbashayeronline.com/news-784523.html

الأحد، 12 فبراير 2017

العلامة الطاهر مكي فى مناسبة ميلاده الـ 90:أبكى على دار العلوم .. والقرآن لغة قبل أن يكون عقيدة...


حوار : تهـاني صـلاح - هاشم أبو العمايم.
مِن علمه الغزير صارتْ له مدرسةٌ يؤمها مريدوه من المحيط إلى الخليج !..ومن أخلاقه العالية صار إمام الزاهدين المتواضعين؛ بل أقرب ما يكون إلى أهل الورع..ومن إنسانياته ومواقفه النبيلة .. بات أباً للكبار والصغار على حدٍّ سواء .. فأينما حلَّ امتلأ المكان بعبق السلف الصالح؛ حتى خِلتَ أنك سترى الجنيد، والحلاج، والسهروردي، وابن عربي في شخصه. ولم يكتفِ بذلك؛ بل جمع إلى عالمه الفني والأدبي والأكاديمي شخوص العباقرة: بابلو نيرودا، وغرسيه غومث، وخوليان ريبيرا، ودومينجو باديا، ودانتي، وابن حزم، وهنري بيرس، وفون شوك، وليفي بروفنسال، والمبشر بن فاتك، وابن عربي، وغيرهم من عباقرة الشرق والغرب.
إنه الدكتور العلامة الطاهر أحمد مكي حجة الأدب، وإمام الدراسات الأندلسية، وعميد الأدب المقارن عربياً، والمحقق الشهير، وأستاذ الأجيال بكلية دار العلوم جامعة القاهرة، وعضو مجمع الخالدين ، وعضو المجالس القومية المتخصصة، ورئيس لجنة الدراسات الأدبية الأسبق بالمجلس الأعلى للثقافة، وعضو مجلس إدارة دار الكتب والوثائق المصرية، ورئيس جمعية دار العلوم، ورئيس تحرير مجلة»أدب ونقد» سابقاً.

وبمناسبة بلوغه التسعين أصدرت صحيفة دار العلوم الفصلية المُحكَّمة القاهرية عدداً خاصاً عنه شمل دراسات، وشهادات، وأشعاراً عنه، وبحوثاً عن مؤلفاته، وتحقيقاته، وترجماته، وآرائه في الأدب، والنقد، واللغة، والشعر، والتاريخ، والأدب المقارن الذي صار له شيخاً وإماماً.

من أجل ذلك، كان هذا الحوار الذى أفاض فيه العلامة الطاهر مكى عن البدايات .

..........................................................

> نبدأ بالمحطة الأولى من صعيد مصر»قنا»مسقط رأسك .. فما مدى تأثيرها فى حياتك الإبداعية؟.

أول وأهم محطة فى حياتى هو»كُتاب القرية» وكان الشيخ الذى يحفظنا القرآن كفيفاً، وحفظت القرآن كاملا ًفى هذه السن المبكرة من الذاكرة، وبرغم أنه لم يعلمنا الكتابة إلا أن كُل جيلى من الكُتاب تميز بالخط الجميل،ولا نعلم من أين جاء هذا الخط الحسن... والمحطة الثانية كانت فى معهد قنا الأزهري، حيث رفضت الالتحاق بمدرسة المعلمين الأولية، وكانت مقصورة على تخريج مدرس إلزامى، وكان أقرب معهد دينى فى أسيوط التى تبعد عن قريتى سبع ساعات بالقطار، ولكن لحسن الحظ فى السنة التى تقدمت فيها للمعهد صدر قرار بإنشاء معهد أزهرى فى قنا، وفى المعهد التقيت بشيخ كان يعمل بالصحافة اسمه محمد كامل عجلان، وأعجبت بأسلوبه، وكان يكتب فى جريدة الدستور مقالات بعنوان»ليالي العنجريب»وكان الناس فى الصعيد فى ذلك الوقت ينامون على أسِرَّة من جريد.

وكنت أقرأ جريدة الأهرام يومياً لى ولغيرى،وكانت تصل القرية نسخة واحدة يشترك فى ثمنها ثلاثة أشخاص، خالى وهو الوحيد الذى كان يعرف القراءة فى القرية، ورئيس النقطة برتبة شاويش، والعمدة. وكانت قيمة الاشتراك 120 قرشاً فى السنة يدفع كل منهم 40 قرشاً، وكان خالى يشترى مجلة بخمسة مليمات وكانت رائجة رواجا لا حد له اسمها»الإسلام»لأمين عبد الرحمن خاصة بالشئون الدينية، تحتوى على خطبة الجمعة وشرح حديث وتفسير آية ومقال دينى، وكان جارنا رجلاً أزهرياً فى كلية أصول الدين، عندما يأتى فى الإجازة الصيفية يشترك فى مجلة الرسالة، وكنت أقرأ كل هذه المجلات والجرائد وكل ما يقع بين يدي، وأعجبت بأسلوب الزيات وحفظت مقالاته، كل هذه القراءات أثرت فى ملكاتى الإبداعية.

وعندما ذهبت إلى المعهد بدأت أكتب بأسلوب جيد، وأراسل المجلات والصحف، وأنا فى الصف الثانى الابتدائي، ونشرت لى مجلة الرسالة فى البريد الأدبى، ومجلة رابطة الشباب.

> وكيف ذهبت إلى القاهرة؟.

وأنا فى الصف الرابع الابتدائى لفتُّ نظر أستاذي الشيخ عجلان؛ لأنني كان لى أسلوب، وكنتُ مهتماً بالقضايا العامة، برغم أنى قليل الحضور فى المعهد؛ لأن طريقة التدريس فى ذلك الوقت كانت مُمِلةً ولم أفهم منهم شيئاً، وسألنى الشيخ كامل عجلان ذات مرة: لماذا لم تذهب إلى القاهرة؟ فقلت له:إن الشيخ سليمان نوار شيخ المعهد بالقاهرة طرد الصعايدة كلهم إلى الوجه القبلى؛ فكيف يقبلنى.

ورجعت إلى القرية وفكَّرتُ فيما قاله الشيخ عجلان، وبرغم أن أبى كانت له عيوب كثيرة، إلا أنه كانت له فضيلة كبرى لا أنساها؛ فلم يكن يتدخل فى شئونى التعليمية، وقلت له: أريد أن أسافر إلى مصر؛ فسألنى:»هى مصاريفها كتير»؟ قلت له: أنت تُعطينى125 قرشاً ستزيد إلى 150 قرشاً؛ فوافق، وقررتُ السفر مع مجموعة من زملائي، وأثناء عبورنا نهر النيل لركوب القطار، وجدتُ والدى مُهرولاً نحونا وقال لى : إن الوزارة سقطت؛ والقاهرة مليئة بالمظاهرات؛ فإذا قُبِضَ عليك فلن أستطيع السفر إلى مصر، فضع ذلك فى ذهنك! وذهبنا للقاهرة بعد 15 ساعة سفرا، وتوجهنا مباشرة إلى المعهد، ووجدنا أن الشيخ نوار شيخ المعهد؛ قد صدر قرار بجلوسه فى بيته؛ على أن يتولى الوكيل الشيخ عبد الآخر أبو زيد مكانه، وكان صعيدياً، ودخلتُ عليه، وطلبتُ منه التحويل إلى المعهد؛ فوافق وكتب»يُقبَل ويُكتَب فى الفصول، ويُرسَل إلى المعهد؛ لحين إرسال ملفه». وذلك على عكس ما يتم؛ فعادةً لا يُقبَل الطالب إلا بعد وصول ملفه، وكانت المظاهرات فى ذلك الوقت لا تتوقف، ومع الأسف أخذتنى المظاهرات بقوة، ولم أذهب إلى المعهد، وفى ذلك الوقت كانت الأوقاف توزع إيراداتها على طلاب الأزهر كلّ حسب مذهبه، وكان نصيبى 27٫5قرشاً كل شهر.

> عملت بالصحافة وأنت ما زلت طالباً بالمعهد ..فكيف التحقت بها؟.

عندما جاءت الإجازة الصيفية قررت عدم الذهاب إلى القرية، وقرأت إعلاناً فى إحدى الجرائد يقول»من آداب السلوك إن كان لديك مدعوين، كيف لك أن ترتبهم على السفرة ..بمن تبدأ، وفى آخر الإعلان يقول: لا تنسى أن تسقيهم شاى البحار»وهذا التاجر الذى كان يروج لبضاعته»الشاى»قرَّر أن يُصدِر جريدة، وطلب محررين؛ فذهبتُ لنائب قريتنا، واتصل به والتقيته؛ فوجدته تاجراً لا مثيل له، لديه مكتبة أكبر من مكتبتى هذه، ويشترى كل الصحف والمجلات والكتب الجديدة؛ فعملتُ معه، هو يكتب الأخبار، وأنا أُحرِّر بقية الأبواب. وعنده قرأتُ كل الكتب والجرائد والمجلات، واستفدت منه استفادة بالغة، وكنت أحصل على جنيه كل شهر، وعندما طلبتُ منه زيادة المبلغ، قال لى:إنَّ المجلة نصف شهرية ولا تهدف للربح، وعرض عليَّ أن أُصحِّح مجلة»الغرفة التجارية»وكان عضواً بها، وبدأتُ أصححها مقابل خمسة جنيهات، كان ذلك عام 1948.وفى ذلك الوقت تعرَّفتُ على الأستاذ محمد مصطفى حمام وكان صحفياً، وألمعياً فى الشعر، وكان يكتب الخطب المسجوعة للنحاس باشا وفؤاد سراج الدين، وفى إحدى المرات قال لى:إنَّ أنيس سراج الدين سيصدر مجلة «النداء» الأسبوعية، وطلب منى العمل مُصححاً فيها؛ فوافقت ..واستقر بي الحال فى القاهرة، ثم بدأتُ أكتب فى جريدة «الكتلة» لمكرم عبيد باشا، ثم «الزمان».

> ومتى بدأت تكتب فى جريدة الأهرام؟.

بدأت أكتب فى جريدة الأهرام، وأنا طالب للدكتوراة فى الأندلس، كتبتُ مقالاً أرسلته إلى الأهرام الاقتصادي بعنوان:»التجسس الصهيونى كما تُصوِّره رواية إسبانية»وفوجئت بنشره على صفحة كاملة فى ملحق عدد الجمعة الذى كان يشرف عليه لويس عوض، فى ذلك الوقت كانت جريدة «الأهرام» توزع مليون نسخة، ، فقمت بترجمة العديد من القصص الإسبانية، ونشرتْ جميعها فى العدد الأسبوعي للأهرام .

وبهذه المناسبة أريد أن أقول:إذا كان هناك من يفخر بأم كلثوم، وعبد الوهاب، ونجيب محفوظ، فلابد أن نفخر أيضاً بمحمد حسنين هيكل؛ لأنه استطاع أن يجعل من جريدة الأهرام صحيفةً صنعها مصريون، وكان يُعاب عليها أنها صحيفة الشوام ..فهو رجلٌ ألمعيٌ جعل من الأهرام صحيفة على أعلى مستوى.

> كتبت عن أعلام عصرك من الشعراء والأدباء ..فهل هذا يعد تأريخاً لتلك الفترة.. أم أنه حب لهؤلاء الأشخاص؟.

الحقيقة أننى أستاذ فى الكلية التى تُوجِّهنى، والطلبة يحتاجون إلى كتاب، وكنت قائماً على مبدأ؛ أننى لا أعطى للطلاب تحليلاً، ولكن أُعطيهم قصصاً، وأُعلِّمهم كيف نُحلِّلها، وأحياناً نختار أفضل القصص كنماذج عليا، ولا أُعطِي قصصاً مصرية فقط، بل قصصاً عربية؛ من تونس والمغرب والجزائر،واكتشفتُ أن القصة التونسية متقدمة عن المصرية فى التقنيات، هم يُخطِئون فى اللغة العربية، ولكن تقنيات القصة هم أسبق منا، وذلك نتيجة صلتهم بالأدب الأجنبى الراقي، وقليل جداً من قصاصينا من يقرأ فى اللغة الأجنبية، وهذا عيبٌ لابد من الالتفات إليه؛ لذلك أقول بصراحة: الأستاذ الذى لا يعرف لغتين يقرأ بهما؛ لا يصلح أن يكون أستاذاً! فهؤلاء الأعلام كتبتُ عنهم لتدريس أعمالهم للطلاب.

> قلت فى إحدى دراساتك عن إحسان عبد القدوس:إنه مدرسة قائمة بذاتها، وأنك لم تجد كاتباً تصدق عليه مقولة»الفن صورة عصره»مثل إحسان ...لماذا؟.

كُتاب الرواية والقصة اتجاهات ..فنجد نجيب محفوظ منذ البداية اتجه إلى القاعدة الشعبية وتمكن منها، وهو لم يستخدم اللغة العامية إطلاقاً، ولا يحبها، أما إحسان؛فعاش فى وسط صحفي، والده ممثل، وأمه صحفية قديرة، ومَن لم يرها، لا يُدرِك حزم النساء؛ فكانت قاسية وشديدة؛ لدرجة أنه عمل بصحيفة أخرى.

ويقول إحسان:إنه عرف الطبقة الوسطى – البرجوازية- ولم يكتب عنها أحد، ومعظم أبطاله من هذه الطبقة، وكان صاحب أسلوب، ويعرض للمسائل الشائكة؛ بأسلوب متفرد ومقبول. بدأ حياته باللغة العامية، لكنه رجع إلى القصص والروايات التى كتبها بالعامية، وعرَّبها باللغة العربية، ولما سُئل قال :جاءتني مجموعة قصص عراقية باللغة العامية، ولم أفهم منها شيئاً؛ فأدركت فى الحال: أن الآخرين أيضاً؛ إذا كتبنا لهم بالعامية المصرية لا يفهموننا؛ فقررت تعريب كل ما كتبته بالعامية إلى اللغة العربية.

> اهتماماتك واسعة فى التأليف، والتحقيق، والترجمة، والقصة، والنقد الأدبي، والتدريس وغيرها ..فأين يجد الطاهر مكى نفسه بين هذه الاتجاهات؟.

أجد نفسى فى العمل أياً كان ..كانت هناك امرأة عربية لديها 13 ولداً، وسئلت أيُّ بنيك أفضل؟ قالت: فلان ..لا بل فلان ..حتى أتت عليهم جميعاً، ثم قالت:ثكلتهم جميعاً؛ إن كنت أعلم أيهم أفضل؛ فهم كالحلقة المفرغة لا ندري أين طرفاها؟!.

وأنا عندما أعمل عملاً أضع جهدى وذوقى كله فيه، وبعد الانتهاء منه، أعود قارئاً عادياً له، وكثيراً جداً أعجب من نفسي، كيف كتبتُ هذا الكلام، وإن أردت أن أكتبه من جديد؛ لم أستطع! وهذا حال كل مبدعٍ؛ عندما يكتب يكون فى حالة نفسية أعلى وأعمق من الحالة العادية، وبعد الانتهاء يعود لطبيعته الأولى! فليس لديَّ كتابة أفضل من أخرى، ولكن لديَّ كتب حظها كان أفضل وراجت رواجاً لم أتوقعه، وبعض الكتب التى أعتز بها وبذلت فيها مجهوداً كبيراً؛ لم تلق حظها.

> أنت شاهد على عصرٍ بأكمله ..فكيف ترى واقع الثقافة فى مصر ؟.

أنا أخذت على نفسى عهداً ألا أكذب وطني، ولا مواطنى، الثقافة عندنا تدهورت، واللغة العربية منهارة فى المدارس، وهى أساس التعليم، وليس إصلاح التعليم معناه اضطهاد المدرسين، لابد أن نعيد للمُدرِّس احترامه، وجدية الامتحانات، وإذا كنا جادين؛فلا بد أن نعود إلى ما كان عليه التعليم، والعناية باللغة العربية، والكتاتيب التى تحفظ القرآن الكريم، وهى ما زالت موجودة فى القرى، والقرآن لغة قبل أن يكون عقيدة.

وأن نعاود النظر فى مناهج كلية دار العلوم مرة أخرى؛ فهي كل يوم فى تراجع وانهيار، وعندما أنظر إلى ما يحدث فى دار العلوم أبكي عليه! أيامنا فى دار العلوم؛ كان لا يتولى كرسى الأستاذية؛ إلا من ذهب بعثةً، وتعلم مناهج البحث، والخلق الجامعي، والجدية فى التعامل!
http://www.ahram.org.eg/NewsQ/578209.aspx