الخميس، 12 مايو 2016

امرؤ القيس طالبَ ثأْرٍ وناشدَ مُلْكِ ...... د. محمد عبد الحميد سالم


امرؤ القيس: طالبَ ثأْرٍ وناشدَ مُلْكِ
على ضوء منهج د. الطاهر مكي في كتابه:
(أمرؤ القيس: حياتُه وشعرُه )

د. محمد عبد الحميد سالم (*)

لله في خلقه شئون!
فثمة طائفةُ من الأساتذة في جامعاتنا المصون، تنقطعُ علاقتُهم بطلاّبهم عند نهاية محاضرتهم، ويظل هذا النموذجُ و (الضخم الضخم) من الأساتذة في بُرْجه العاجيّ حتى مع طلاب الدراسات العليا- الماجستير والدكتوراه- حيث ينتهي حديثُهم معهم- إن سمحوا به- قبل أن يبدأ، وحسب الباحث شرفًا أن يكون مشرفه (...)، وحَسّبُ مَنْ يكلّفهم بقراءة الرسالةِ من رعيته- مدرسًا مساعدًا أم مدرسًا- حسبهم أمّنًا وطمأنينةً وفخرًا، أَنهم يصدعون بأمره، ويُنجزون في ظله، حتى ينالوا رضاه، «وما هم ببالغيه» ولكن من رحمة الله بخلقه- والخير إلى يوم الدين- أن نُوجدَ طائفةُ أخرى من الأساتذة الأجلاء (النبلاء) الكرام الذين يشعر الطلابُ معهم- في كل مراحل حياتهم، حتى بعد تخرجهن- بالأبوة الحانية، والعواطف النبيلة، والإحاطة الشاملة؛ فضلاً عن الإفادة الواسعة من علمهم الفياض وثقافتهم الغزيرة المتنوعة.
والأستاذ الدكتور طاهر مكي علَمُ سامقُ من أعظم أعلام هذه الطائفة الأخيرة، حببه اللهُ للخير، وحبّب الخيرَ إليه، ورزٍقه حُسنَ التواضيع وسموَّه، وأفْعم قلبه محبة الناس، ومَنحه- إلى جانب هذا الخلق العظيم- ثقافةً واسعةً متنوّعةً، وعلمًا غزيرًا متعددًا عميقًا، أسهم بهما في مجالات شتى، يحيط بها علمًا كلُّ عاشق للعربية وغير العربية ويصدر عنها المتخصصَون على اختلاف مشاربهم وتوجهاتهم، فضلا عن الشادين من الباحثين الذين يستخرجون من بحاره اللؤلؤ والمرجان.
وها نحن الآن نعيش في رحابه، ونقطف- نضيق المجال هنا- بعض ثماره، تلك الكلماِت التي نقدّمها في السطور الآتية، وهي جزء من بحث لي- قيد الطبع- عنوانه:
منهج د. الطاهر مكي في تراجمه الأدبية «امرؤ القيس: حياته وشعره»: نموذجًا
تفضل أستاُذنا في مقدمة كتابه بالكشف عن بعض ملامح منهجه في قوله:
«كان المنهج الذي قامت عليه دراستي في الكتاب، أن ننثر أبيات الشعر في لغةٍ سهلةٍ، قبل أن تواجه القارئَ، فلا يضيع بين أسماء لأمكنة لا يعرفها، ولحيوان لم يره....».
والحق أن د.  مكي لم يقف عند نثر الأبيات فحسب، بل قدّم النصوصَ مضيئةً بسياقها/ مسبوقةً بمناسبتها، مضبوطةً بالشكل ضَبطًا دقيقًا، مُرقٍّما كلَّ بيت في الشاهد- غالبًا- لتحديد معنى مفرداته في الحاشية تحديدًا ساعد على فهمه، وأكد فحواه المنثور في تقديم النص قبل عرضه. ولا يخفي ما بهذا المنهج- إلى جانب فهم النصّ- من بثّ الألفة وتوثيقها بين الشعر ومتلقّيه، فضًلا عن إغراء الباحثين وجذبهم نحو الشعر الجاهليّْ بعامة، أو شعر امرئ القيس بخاصة، «وفائدةُ الشعرِ معرفةُ لغته ومعناه، وإلا خاطبنا المتعلّمَ بما لا يفهم، والجاهل بما لا يعلم».
هذا، ولم يقبل- د. مكي- كلّ نص على ما ورد في الديوانـ بل يعتمد على السياق، مما يدفعه- حينا إلى تقديم بيت، وتأخير آخر، سعيا لتماسك النص وتسلسل معانيه.
كما لم يستسلم- د. مكي- لسير الأحداث في بحثه، دون تأمل فيها، ولم يضق ذرعًا بتناقص الروايات دون نقدها ومناقشتها ليقبلَ ما يقبلُ منها عن بينة، ويستبعد ما يُستبعد منها عن بيّنة.
وحسبنا هذه الملامح من منهجه التي تضيء لنا سبيلنا في عرض موضوعنا (امرؤ القيس" طالب ثأر وناشد ملك....).
هذا، وقد عرض أستاذنُا الكبيرُ تاريخ قبيلة (كندةَ) عرضًا تاريخيا دقيقًا/ مشيرًا- ضمن ما أشار إليه إلى (الحارث بن عمرو) جّد امرئ القيس، وهو أشهر ملوك (كندةَ) وأعظُمها، وكان يلقب (أباُ الملوك)، وما كان من شأن قبائل وسط الجزيرة العربية، الذين أحسوا بالأمن والطمأنينة في عهده، حينما تولى مُلكَ الحيرة، ورغبت إليه أن يولىَ عَليهم من أولاده مَنْ يحكمهم، كي تُخمد نيرانُ الحروب بينهم، فأجابهم، وفرّق أولاده فيهم.
بذا أصبح (حُجر بُن الحارث)- والدُ امرئ القيس- ملكًا على بني أسد، وأساء السيرة فيهم، وارهقهم بجمع الضرائب منهم، وأذلهم بالإغارة على نسائهم، وظلوا على ذلك ردَحًا من الزمن، حتى أتيحت الفرصة لهم، فشقوا عصا الطاعة عليه... بل ثأروا لأنفسهم فقتلوه.
ويعرض- د. مكي- روايات كثيرة في هذا الشأن، يُفاد من بعضها «أن حُجْرا قُتل في معركة حامية بينه وبين بني أسد، وانهزمت كندَة، وفيهم امرؤ القيس الذي أعجزهم هربا على فرسه الشقراء...
ثم يحدثنا عن سيرة الشاعر حديثا مفصّلا، نفيد منه «أن امرأ القيس طرق باب الحياة في مشارف الربع الثاني من القرن السادس الميلاديّ قريبًا من عام 526م، جاء إلى الدنيا، وجدُّه الحارثُ مَلكُ كندةَ وسلطانها يمتد فيشمل الحيرة، وأبوه وأعمامه يتقاسمون وسط الجزيرة.. وكان هو أصغر أخوته، فلم يكن بدْعًا أن يصبح الولدَ المدلّلَ/ ملءُ نهاره صيد ولعب، ومحتوى ليله شرْبُ وطرب... وفي مثل هذا الفراغ فإن المرأة تكون الاهتمام الأول للرجل، وبخاصة إذا كان جميلاً وسيمًا قسيمًا، يأمل أن يكون فارس ميدانه، ولقد كان امرؤ القيس كذلك».
ثم يرى- د. مكي أن الترف وحده لا يفسر إدْمانَ امرئ القيس على الرحلةَ، وعزوفَه عن الجوّ الأُسْريّ، ويعزو ذلك إلى عدم الثقة بينه وبين والده، فقد كان الوالد ضائقا بسيرة الابن، لتشبيبه ب (هرّ بنت سلامة بن عبد...)، وعشقه لعُنيزةَ ابنه عمه شرحبيل، وتتبعه لها...، وقصته معها يوم (دارة جلجل) مشهورة، كما أن أباه كان غير راضٍ عنه شاعرًا... إلى غير ذلك.
وتدور الأيامٌ دورتها، وتلقى الأقدارُ على عاتق هذا الشاب المدلل، قرين الخمر والنساء، مهمة النهوض بثأر أبيه، فماذا صنع؟ هذا ما يحدثنا عنه د. مكي، تحت عنوان: (طالب ثار)، مشيرًا في بداية حديثه في هذا المحور إلى مجموعة من الروايات:
منها الروايات الأربع التي أوردها (الأغاني) والتي ارتضى منها الرواية التي تفيد "أن امرأ القيس شهد لقاء كندةَ مع بني أسد الذين تزعمهم (علياء بن الحارث)، وأنه هرب من قريب أو بعيد على فرس شقراء له، فعجز أعداؤه عن اللحاق به. ومن هذه الروايات أيضا تلك التي لم تشر إليه في هذا الشأن. والتي يستنتج أستاذنا فيها أنه لم يحضر المعركة بل لم يكن محتفيًا بهذا الصراع السياسيّ والقبليّ القائم بين أبيه وبين القبائل الأخرى.
ويوفق د. مكي بين هذه وبين الراوية السابقة التي ارتضاها بقوله:
«ولا يناقض ذلك في شيء أنه حضر معركةً واحدةً من معارك عديدة... وأنه لم يثبت عند اللقاء فلاذ بالفرار».
هذا، وهناك بعض الروايات التي تفيد أن بدء رحلة امرئ القيس لطلب الثأر- كانت عهدًا أوصى به أبوه إلى أحد أصحابه الذي ائتمنه على تركته، وأوصاه «أن يدفع بها إلى أيّ واحد من أبنائه الكثيرين، لم يجزع لموته».
ويصدع الصديقُ يما أُوصىَ به، ويلتقي بأولاده الواحد تلو الآخر، ويقصّ عليهم نبأ أبيهم، فجزعوا لذلك. حتى التقى بامرئ القيس، وكان في قرية من قرى (حضر موت)، تُدعى (دمون)، يحتسي الخمر مع جليسه، ويمارس لعب النرد معه، فحكي له، فلم يأبَهْ به، حتى لا يفسَد الدَّسْفَ على صاحبه، فلما انتهى من اللعب التفت إليه «وقال: ضيّعني صغيرًا، وحّملني دمَه كبيرًا، لا صَحْو اليوم ولا سكر غدًا/ اليومَ خمرً وغدًا أمر». وعاهد نفسه ألا يأكل لحمًا، ولا يشرب خمرًا، ولا يدْهنَ رأسَه بطيب، ولا يلهو، حتى يدرك ثأرَ أبيه من بني أسد، فيقتلَ منهم مائة، ويَجُزَّ نواصي مائة».
ويعلق د. مكي على هذه الرواية بقوله:
«وهذا الخبر لا نطمئن إليه، لأنه يناقض ما هو أوثق، من مشاركته في المعركة، إلا إذا أسرفنا في التأويل وارتضينا أنه فّر من المعركة بعد أن هُزم قومُه، وقبل أن يُقتل أبوه، وان الخبر جاءه هاربًا في دمون».
ثم يتساءل د. مكي: «لماذا كان امرؤ القيس من دون أخوته جميعًا هو الذي صمد للكارثة، وحملَ عِبْء الثأرِ واستعادة الملك» مع أن الثَمن جَدُّ غالٍ وبهيظ...؟!
ويجيب على هذا بقوله:
«يمكن للمرء أن يُعطيَ أكثرَ من جوابٍ لهذا السؤال: لعل أُخوتَه، وكانوا أكثر التصاقًا بالواقع منه، رأوْا أن في إعادة بسط سلطان كندةَ على ما كانت تحكم من قبائل يتطلب تضحياتٍ جسامًا لا قبل لهم بها، وقد يعودون ملوكًا ولكن لأمدٍ قصير...» لأسباب ذكرها (انظر ص 76 من الكتاب).
أما امرؤ القيس فكان «على النقيض من أخوته، أمضى شبابه لاهيًا، فوجدها فُرصةً سانحةً ليُدرك هدفين في ضَرْبة واحدة: مُلكًا جاءه على غفلةٍ منه، وفُرصةً يدخل بها ومعها التاريخ بَطلاً مُقاتلاً، كما دخله من قبل شاعرًا غزلاً».
أما موقف بني أسد كما يشير د. مكي- قبل مقتل حُجرٍ، فقد كانوا يتمنّوْن أن يجدوا حلاَّ لمشكلتهم مع مليكهم دون حرب أو قتال، حتى لا يكونوا صورة من حرب البسوس. وكما آثروا السًّلّمَ قبل مقتله، آثروه  بعد مقتله، ومن ثَمّ توجه وفَدُ منهم إلى امرئ القيس، فأكرم تزلهم، «واحتجب عنهم ثلاثًا، وخرج إليهم في قُباءٍ وخُفًّ وعمامة سوداءَ، وكانت العرب لا تعتمّ بالسواد إلا في الغارات، فلما رأوْه تقدم إليه من الوفد (قبيصةُ بنُ نُعيمْ)، وكان رجلاً حكيمًا بصيرًا بمواقع الكلام، وتحدث مع امرئ القيس، مشيدًا بُسؤدده، وشرفِ عرقه، وكرِم أصله، وفضيلةِ رأيه، وبصيرةِ فهمه، وكرِم صفحه في هذا الخطب الجلل الذي عمّت رزيته...، ومطريًا أباه حُجْرا، مُعليًا من قدره، متغنّيًا بطيب شيمه، وسموِّ منزلته التي لا تكافئها أموالْهم وأرواحُهم فداءً له. أما وقد رحل عنا «فأحمدُ الحالات في أن تعرفَ الواجب عليك في إحدى خلاٍل: إما أن اخترت من بني أسدٍ  أشرفًها بيتًا، وأعلاها في المكرمات صَوْتًا، فقُدْناه إليك بنسْعِهِ، يذهب مع شفراِت حُسامك، أو فداءً بما يروح من بني أسد من نَعمها، فهي ألوفُ تُجاوز الحِسْبة، فكان ذلك فداءً رجعتْ به القَضُبُ إلى أجفانها، لم يرددْه تسليطُ إلا حَينِ على الُبرآء، وإما أم تُوادِعَنا حتى تضعَ الحواملُ، فنُسدِلَ الأُزرَ، ونَعقِدُ الخُمر فوق الرايات».
فأختار امرؤ القيس الثالثة، معلنًا الأكفء لُحجرِ في دم، وانه لا يعتاص به جملاً أو ناقةً.... وهددهم بطلائع كِندةَ- بعد ذلك- التي «تحملُ في القلوب حَنَقًا، وفوق الأسنة عَلَقًا».
استسلم بنو أسد بما تم في اللقاء، ورحلوا عن ديارهم من خُدعةً وتضليلاً...
أما امرؤ القيس فاخذ يتنقل من قبيلة إلى أخرى مستعينًا بهم لإدراك ثأر أبيه:
- لجأ إلى بكر وتغلب فسألهم النصرة، فأمّدوه، وساروا معه حتى أدرك ثأره في نظرهم، ثم أبوْا بعد ذلك أن يتتبعوا بني أسد معه.
- ثم يخرج إلى اليمن مستنصرًا بقبيلة (أزْد شنوءة)، لكنهم رفضوا طلْبتَه، وقالوا" إخوانُنا وجيراُننا».
- وينزل بمرثد الخير الحميريّ، فيمّده بخمسمائة رجل، ولكن الموتً يعاجلُ (مرثد) قبل أن يسير امرؤ القيس بهم) ويحلّ (قرْملُ بنُ الحميم) محلَّ مرثد في المملكة، فيسوّف امرؤ القيس، حتى مل الأخيرُ، وهَمّ بالانصراف، قائلا:
 وإذْ نحنُ ندعو مْرٍثدُ الخيرِ ربَّنا 
**
وإذ نحن لا نُدْعي عَبيدًا لقرْملِ
فلما سمع (قرمل) ذلك، أمر الجيشَ بالسير معه، وضمّ جمعًا من شُذّاذ العرِب، بل استأجر رجالا من قبائل العرب.
ويسير امرؤ القيس بهذا الجمع الحافلِ، ويمرّ (يتبالة)، وبها (ذو الخُلصَة)- الصنم الذي تعظمه العرب- فيقف حياله، وسيتقسم بأزلامه: (الآمر الناهي- المتربص) ثلاث مرات، وفي كل مرة يخرج (الناهي)، فيضيق امرؤ القيس بها ذرعًا، ويجمعُها ويكسِّرهُا ويضربُ بها وجهَ الصّنمِ، صائحًا: «... لو أبوك الذي قتل ما عُقْتني!» ثم ولى وجهَه شطّرَ بني أسد، فظفر بهم.
ويُواجه امرؤ القيس- بعد هذا الظفر- بقوة ضارية، إذا كان «المنذر يخشى أن ينجح امرؤ القيس فيما يريد، وأن يُعيدَ لكندة سطوتَها، فوجّه إليه الجيوش»، مما دفع امرأ القيس إلى التنقل والترحال من قبيلة إلى أخرى، وبخاصة بعد أن تفرقت عنه (حمير) ومن كان معه من قبل.
نزل علي الحارث بن شهاب من بني يربوع بن حنظلة، فسعد بن الضّباب الأياديّ، فالمعلّي بن تْيم من جديلة طيّي، فخالد بن أصمع النبهانيّ- ونبهان بطنُ من طيّيُ، فعامر بن جُوين،  فجارية بن مُرّ بن حنبل من بني ثعل، وأخيرًا نزل على (عمرو بن جابر الغزاريّ) «وكان عَمرو صاحبَ رحلةٍ وتجربةٍ وخبرةٍ، فطلب منه امرؤ القيس الحوارَ حتى ينظر في أمره، ويُصلحَ من شأنه، وخلال إقامته في بني فزارة فكر أن يطلب العونَ من الإمبراطور (جو ستنيان) إمبراطور بيزنطةَ.... وطلب النصيحة من الحارث الغسّاني، فوافقه وشجّعه، وقبل أن يقدّمه لقيصر» لتحقيق المصالح المشتركة بينهما. (انظر ص85- 86 من الكتاب).
ويبدأ امرؤ القيس المحاولة بإرسال وفدٍ إلى قيصر، يطلبُ النجدة عل بني أسد وعلى مَلِكِ الحيرة... فيكتبُ قيصرُ إلى النجاشيِّ يدعوه لمعاونة امرئ القيس. ولكن حال دون التنفيذ عوامل كثيرة (أنظرها ص86).
ومن ثَمَّ «رأى امرؤ القيس أن يذهب بنفسه. ولما كانت .... نفقات رحلته – كأمير - باهظةً، فقد اتجه أولا إلى (تيماء)، وكانت قريبةً من ديار بني فزارة، ومركزًا للإقراض بالرّبا، وفيها رهن سلاحهَ ودروعه عند مُرابٍ يهوديًّ اسمه صموئيل- السوءل بن عاديا في المصادر العربية... ».
وهكذا تتبع د. مكي امرأ القيس في تنقلاته وخطواته تتبّعا تاريخا دقيقًا، وعرض أحداثَ كلِّ خطوة منها، وما قاله امرؤ القيس فيها من شعر مدحًا فيمن أجاره وأعانه، وقدْحًا فيمن خذله واعرض عنه، بل ما قاله عبيدُ بن الأبرص، وغيُره من أعدائه- كل هذا على ضوء المنهج التاريخي الذي اعتمده،رابطًا تلك الأشعار- وهي كثيرة متنوعة- بمناسبتها وسياقها ومكانها، كأنه يؤرخ لها.
يهرب امرؤ القيس من جيوش (المنذر)، وينزل على (سعد بن الضّباب الإياديّ) فيجُيره، فيشكر له امرؤ القيس صنيعه يقوله:
منعتَ الليثَ من أكل ابن حُجْرٍ
**
وكاد الليثُ يُودي بابن حُجْرِ
منعتَ وأنت ذومنًّ ونُعْمي

علىَّ، ابنَ الضبابِ بحيث تدْري
سأشكرك الذي دافعتَ عنيّ

وما يجزيك عني غيرُ شُكْري
فلا جارُ بأوثق منك عهدًا

فنصرُك للطّريد أعزُّ نصْر صصصصصصصصصصصصصصصصص
وبعدها يقول د. مكي:
«والقصيدة الرابعة عشرة في الديوان، وهي كاملة ذات مقدمة ونسيب وصناعة، نظمها خلال إقامته بديار سعد بن الضباب مستجيرًا، يشكره ويعدّد مآثره وصفاته..».
ثم يذكر سبعة أبيات من هذه القصيدة:
وقبل نزول امرئ القيس عل (سعد بن الضباب الإيادي) نزل- في جماعة من أهله «ومعه الدروع التي كان بنو المرار يتوارثونها» على (الحارث بن شهاب الحنظلي) مستغيثا به من جيوش (المنذر). ولكن (المنذر) يتوعد (الحارث) الحرب إن لم يسلم الكنديين اللائذين به، فأسلمهم إليه، وأمر المنذر باثني عشر فتىَ من أمرائهم فقتلوا في جفر الأملاك»، مما دفع امرأ القيس إلى هجاء بني حنظلة، ورمّيهم بالغدر والخذلان، والخبث والشر، وتهديدهم بالفضيحة والذل، في قوله:
أحنظلُ لو حاميتُمُ وكَرُمْتُمُ
**
لأثنُيْتُ خيرًا صادقًا ولأرْضاني
ولكن أبىَ خِذلاَنكم فافتضحتُمُ

وحُبّثْتُموا من سعيكم كلَّ إحسان
إلى آخر ما ذكره د. مكي من شعره فيهم، وهو كثير. (أنظر ص80- 81).
ويسعى امرؤ القيس ببكر وتغلب نحو بني أسد، فيدركهم، ويعمل فيهم سيفه، ويكثر فيهم القتلى والجرحى. وتكتفي بكر وتغلب بما فعل إدراكًا لثأره، ولكن امرؤ القيس «لم يقتنع بما أصاب ومضى يُهدّد بني أسد ويتوعدهم، ويزهو بما قتل وما أفنى، فيرد عليه عَبيدُ بنُ الأبرص شاعرُ بني أسد:
ياذا المخّوّقُنا بقتل أبيه، إذلالاً وحَيْنا
أزعمتَ أنك قد قتلتَ... سراتنا كذبًا ومَيْنا
هلاّ على حجُر بن أمِّ قَطاِم تبكي لا علينا
....»الخ.
ويعرض استأذنا قصيدة (عَبيد) برُمّتها، وتعدادها خمسة وعشرون بيتًا، مذيّلةً ببيان معاني مفرداتها في حاشية صفحتي (78- 79 من كتابه) حسب منهجه الذي لا تحيد عنه.
***

هذا أما عن المحور الثاني في بحثنا وهو: (امرؤ القيس...، ناشد ملك)
فيحدثنا د. مكي- في كتابه تحت عنوان:
(الرحلة إلى قَيًصْر)
مفتتحا حديثه عن هذه الرحلة بالإشارة إلى توافر الأسباب التي تجعل منها... محاولة ناجحة. ويذكر من هذه الأسباب: توتر العلاقات بين بيزنطة وفارس، واستمرار المناوشات بين ممثلي الدولتين الحيرة والغساسنة «على أطراف الجزيرة الشمالية»، وعداوة كندة الكامنة للحيرة، لملاحقة (المنذر) لامرئ القيس من جهة، وطرد جده (الحارث)، - بمعاونة الفرس- منها، وقتل أهله من جهة أخرى، بالإضافة إلى موقع كندة وتوابعها في وسط الجزيرة، كشوكة «في ظهر الحيرة. واستجابة لهذه الدواعي رأى امرؤ القيس أن يذهب إلى قيصر مُؤقلاً أن يعينه في استرداد ملك أبائه..».
ثم يقف عند رفاق امرئ القيس في رحلته، فيذكر منهم «عمرو بن قميئة الشاعر، من بني قيس بن ثعلبة، وأحد حجاب أبيه- أو خدمه.... وإليه يشير امرؤ القيس صراحةً في أطول قصائده عن الرحلة:
أرى أمَّ عمرو دَمْعُها قد تحدرا
**
بُكاءً على عمرٍو وما كان أصْبًرا
وكان معه جابُر بنُ حنيّ التغلبيّ، وإليه أشار في قصيدة أخرى له تتصل بالرحلة.
فإما تريْني في رِحالة جابر
**
على حَرج، كالقرّ تخفقٌ أكفاني
وخرج معه الحارث بن حبيب السلمىّ، ولكنه لم يكمل الرحلة، حيث مات في الطريق قريبًا من بصري في ديار الشام، وبكاه امرؤ القيس بشعر (منه هذان البيتان):
ثوى عند الودِيّةِ جوف بُصْرَي
**
أبو الأيتام والكلًّ العجاف
فمن يحمي المضافَ إذا دعاهُ

ويحملُ خُطًّةَ الأَنس الضّعافِ
وكان معه على التأكيد آخرون من أهله ومعاونيه ورفاقه وخدمه، فقد كان أميرًا قادمًا على إمبراطور، ومما يسهّل مهمته أن يبدوَ في مظهر يُضفي على موكله مسحةً من جلال وعظمه».
أما متى كانت هذه الرحلة؟ فقد حاول د. مكي تحديد تاريخ بدايتها عن طريق الموازنة «بين الأحداث البارزة التي سبقت الرحلة، أو رافقتها على أرض الجزيرة العربية أو خارجها».
مبتدئا بالحديث عن لقاء امرئ القيس بعلَقمةَ بن عَبْدة الملقب بالفحل، بصفة هذا اللقاء يمثل إشارة يراها ذات أهمّية، وتمثل حجر الأساس في المحاولة- مذكّرا بموقف أم جندب زوجة امرئ القيس وقصة تحكيمها بينه وبين علقمة، تلك القصة التي انتهت بطلاقها، وبناء علقمه بها، وتلقيبه من أجل ذلك بالفحل- وبعدها يرى أستاذنا أن أول قصيدة نعرفها لعلقمه هي التي قالها بعد (معركة حليمة) التي دارت رحاها بين المنذر بن النعمان والحارث الغساني عام 554م، والتي انتهت بهزيمة المنذر وقتله. «وفي هذه الحروب أسَر الحارثُ سبعين رجلا من تميم، بينهم (شأسُ بنُ عَبْدة)، أخو علقمه.... فأتى علقمةُ الحارث ومدحه بقصيدة طويلة...».
مطلعها:
طحا بك قلبُ في الحسانَ طروبُ
**
بُعَبْد الشباب بمقترحاته مشيبُ
فلما وصل إلى قوله- بعد أن أسبغ عليه الكثير من المحامد والفضائل:-
وفي كلّ حبيِّ قد خَبطتَ بنعمةٍ
**
فحُقَّ لشأسٍ من نَداك ذَنوبُ
(قال الحارث: نعم وأذنبه). وأطلق سراحه ومن معه
وبعد أن يضيف د. مكي إلى هذه المعركة "واقعة (يوم أوراة الأول) التي قتل فيها (سلمة) عم امرئ القيس عام 548م أو قريبا منه" ويذكر أن حُجْرا قد قتل بعد هذا التاريخ، وأن التجاء امرئ القيس إلى طيئ، والتقاءه بعلقمة كان بعد تطوافه بالعديد من القبائل طالبًا النصرة أوْ لاجئًا، وأن طيئًا كانت بين آخر مَنّ استجاريهم- يقول بعد ذلك «أمكننا أن تُحدد لهذا اللقاء تاريخًا يأتي بعد عام 555م».
ويستمر د. مكي في استدعاء الأحداث كي يصل إلى الغاية التي ينشدها، وهي (تحديد بداية تاريخ الرحلة)، مُشيرًا إلى تنقل امرئ القيس في طيّئ، وقضائه وقتًا في تدبير أمره، وإرساله وفدًا إلى قيصر قبل الذهاب بنفسه، وقضائه وقتًا كذلك في (تيماء) لتدبير نفقات رحلته ووفاة الإمبراطور (جو ستنيان)- الذي وفد عليه- عام 565م- وبعد استدعاء هذه الأحداث كلها، وعرضها حسب ترتيبها الزمني، يقول د. مكي:
«كان لنا أن نقرر دون اعتساف أن بداية رحلة امرئ القيس إلى القسطنطينية تقع في زمن قريب من عام 563م».
ثم يؤكد على قيام امرئ القياس برحلته، ووصوله إلى القسطنطينية بالإشارة إلى اتفاق الروايات على ذلك، واختلافها فيما عداه. ويعرض هذه الروايات ويناقشها على النحو الوارد في0ص/ 89- 90 من كتابه). وعلى ضوء حديثه هذا يتضح لنا:
- اتفاق الروايات كلها على ذهاب امرئ القيس إلى قيصر.
- اتفاقها على أنه لم يحقق غايته من رحلته.
- اتفاق الروايات الثلاث الأولى منها على أنه مات في طريق العودة بـِحُلَّةٍ مسمومةٍ أرسلها قيصر إليه.
- اتفاق الروايات الثلاث على أن (الطماع بن قيس الأسَدىّ)- وكان حُجْرْ قد قتل أباه في قول، أو كان امرؤ القيس قد قتل أخاه في قول آخر- أن الطماع هو صاحب الوشاية بين قيصر وامرئ القيس... مع اختلاف الأسباب سواء أكان السبب تشبيب امرئ القيس بابنة قيصر، أم كان عِشْقها له والتقاءهما معًا، أم غير ذلك. وأنه هو الذي أوْغر صدْر قيصر عليه، وحمله على التخلص منه بهذه الحُلّة المسمومة التي أوْدت بحياته.
- انفراد رواية (ابن سهل) بأن صاحبة الوشاية هي ابنة القيصر التي زوجّها أبوها لامرئ القيس، فلما دخلت عليه كرهته وأبغضته لأنه كان مفرّكا.. (انظر القصة كاملة في ص90 من الكتاب).
وبعد أن يقرر د. مكي أن «اتجاه امرئ القيس إلى القسطنطينية ليس بغريب، ولا الأول من نوعه في تاريخ الجزيرة العربية قبل الإسلام» ويسوق أدلته (انظرها في ص90- 91)- يخلص إلى أن بني أسد قد تتبعت رِحلة امرئ القيس، وحاولت إفسادها، لصالح القبيلة ومصيرها «فأرسلت إلى الإمبراطور مَنْ يحملُ وجْهة نظرها، ويشجب محاولة الشاعر الكنديّ. وعبيدُ بنُ الأبرص شاعرُ بني أسدٍ يشيرُ... إلى رحلة امرئ القيس إلى قيصر، ويسخرُ من وعيده، ويتهددهُ بأنه سيلقى مصيره وهو بأرض الشام:
أزعمت أنك سوف تأتي قيصرًا
**
فلتهلِكنّ إذًا وأنت شآمي
لكن الجديد هو أن استأذنا يشك أن رسولهم هذا أسمُه (الطماحُ) على ما تشير بعض الروايات، بناء على بيت لامرئ القيس، ورد في قصيدة له موثّقه في ديوانه، وهو:
لقد طَمَح الطمّاحُ من بُعْد أرضيه 
**
ليُلْبسني من دائه ما تلبّسا 
معللاً شكّه، ومبررًا حكمه بقوله: «فالطماح في البيت ليس عَلما على شخص، فيما يبدو لي- وإنما هي صيغة مبالغة من (طمح)، كناية عن رجل عدوً لامرئ القيس فحسب».
وكما شك في هذا، رفض أيضا أن تكون الغاية من الرحلة إلى قيصر هي الاستعانة به لأخذ ثأر أبيه، ذلك أن امرأ القيس ثار لأبيه فعلاً، وقتل بسببه كثيرًا... والواقع أن امرأ القيس لم يكن مشغولاً بالثأر بقدر ما كان يهدف إلى استعادة عَرْينٍ يُصبح به مَلِكًا، مسموعً الكلمة، مهِبت الجانب.... وهو صريحُ في تحديد هدفه هذا (في قوله مخاطبًا عمرو بن قميئة):
فقلت له: لا تبك عَينْك إنما 
**
نُحاول مُلْكًا، أو نموتَ فنُعُذَرا 

كما يرفض أن يكون غضب الإمبراطور على امرئ القيس لأنه شبب بابنته... ذلك أن التشبيب «لم يكن مما يعاب في بيزنطة في عصر امرئ القيس ولا بعد عصره، مؤكدًا ذلك بسلوك الشاعر (يحيى الغزال) وتغّزله بزوجة الإمبراطور وكان الإمبراطور وزوجته مسرورين أيما سرور بذلك.
أما عن سبب إخفاق رحلة امرئ القيس إلى قيْصر فيما يرى أستاذنا فيعود إلى الإمبراطور نفسه فقد كان شيخًا هرمًا وتوفى نفس العام الذي فارق فيه الشاعر العربي مدينة القسطنطينية عام 565م، فحالته لا تسمح له بأن يعد أو يغامر. وكانت الدولةُ فى أواخر أيامه مُهّددةً بهجمات البرابرة، على حين تضاءل الجيش من 650 ألف مقاتل إلى 150 ألف، فارضي امرأ القيس بلقاء حار، وطيّب خاطره بهدايا حسنة دون أن يتجاوز ذلك إلى إمداده بالمقاتلين.
وعلى ذلك يرفض د. مكي خبر الحلة المسمومِة، ويرى- على ضوء الأخبار.. « أن امرأ القيس كان مصابًا بمرض كالجدريّ... وأنه كان مُصابًا بخلل جنسي في بنيته، وانعكس ذلك في التهاب جلديّ... وأن المرض هو الذي أؤْدي به في الحقيقة» وليس معنى هذا أن الرحلة مكذوبة، فأحداثها موثقة في شعره...
ومما يؤكد ذلك- عنده- وفاة امرئ القيس نفسه حين عودته من القسطنطينية نحو عام 565م قريبًا من أنقرة، حيث يفيد الأب شيخو في كتابه (شعراء النصرانية) «أن الإمبراطور حين بلغته وفاة امرئ القيس أمر أن يُنحت له تمثال يُنصب على ضريحه ففعلوا... وكان التمثال قائمًا حتى أيام الخليفة المأمون...».
ويستطرد د. مكي إلى موقف الحارث الغساني الذي طمع في السلاح والدروع التي استودعها امرؤ القيس عند (السموءل) ورفض الأخير التفريط فيها أمانةً ووفاءً، وما كان من قتل ابنه، ودوْر الأعشى في تسجيل هذه القصة في شعره والرأي في انتحال هذه القصيدة التي يمكن الوقوف على تفاصيلها (في ص92: 94من الكتاب موضع الدراسة).
ثم يتحدث د. مكي عن صدى رحلةِ امرئ القيس في شعره «في وقت وبيئة لم يكن التاريخ فيها علما يكتب في النثر بله الشعر... ومع ذلك أعطانا امرؤ القيس في ديوانه من الإشارات التاريخية والجغرافية ما يكفي ليجعل من الرحلة واقعًا تاريخيًا، ومن الشعر المرويّ عنه حقيقة يصعب إنكارها».
ويحدد شعر الرحلة في ديوان امرئ القيس- على ما وصلنا- تحديدًا دقيقًا فيقول:
«من الشعر الذي يتصل بالرحلة إلى قيصر ثلاثُ قصائد يلتقي في روايتها العالمان الجليلان، عبدُ الملك الأصمعيّ والمفضّلُ الضّبيّ وآخرون، ومقطوعة تفرّد الضبيُ بروايتها، وقصيدة أوردها الطوسيُّ، لم تثبت في رواية المفضّل، ونسبها غيره إلى امرئ القيس، ومقطوعتان مما زاده السكريّ على غيره من الرواة».
أما عن كيفية عرض هذه الأشعار في كتابه- موضع النظر والدراسة- فهو:
- يراعي فيها الترتيب الزمني لإنشادها.
- يُعني بالإشارة إلى ترتيب النص في الديوان في طبعته بتحقيق: محمد أبو الفضل إبراهيم، مع التنبيه في الحاشية على ترتيبه في المخطوطات التي وقف عليها (أنظر الحاشية رقم/2 ص94، والحاشية /3 ص99، والحاشية /22 ص100، والحاشية/2 ص101).
يهتم بالتقديم للنص أو التعقيب عليه- أوهما معا- بما يثريه، ويكشف عن وجهة نظره فيه.
يهتم بالتعليق العام على شعر الرحلة في نهاية عرضه- يهتم بكمال المعنى في ترتيب أبيات النص، فيقدم ما يقتضي التقديم لتحقيقه. على ما سيأتي. لا يعرض القصائد كاملة بل يكتفي بعرض طائفة منها. أما المقطعات فيعرضها برمّتها.
يُكسرّ النص على عدة أفكار غالبًا.
ينثر أبيات كل فكرة قبل عرضها- حسب منهجه- ويضبط الأبيات بالشكل ضبطًا دقيقًا، ويذيّل كل بيت فيها ببيان معاني مفرداته في الحاشية على ما أشرنا في صدر حديثنا.
فها هو ذا يقف أمام القصيدة الأولى التي مطلعها:
سما لك شوقٌ بعد ما كان أقْصرا


رحَّلتْ سُلَيمْي بَطْن قَوِّ فعرعَرا

والتي منها قولُه مشيرًا إلى أهله في مسيرة رحلته:
تذكرتُ أهلي الصالحين وقًد أتتْ

على خَمَليَ خُوضُ الرّكابِ وأوْجَرا 
وهذه القصيدة ذات أربعة وخمسين بيتًا، اكتفى بعرض واحدٍ وثلاثين منها، وكسّره على سبع أفكار عامة (أنظرها ص95: 99)- يقول في تقديمها:
«الأولى من القصائد تتضمن إشارات وافرة إلى الرحلة وأحداثها»- (ويحيل إلى الحاشية رقم/2 التي تتضمن قوله: «ترتيبها الرابعة من الديوان في طبعته الجديدة بتحقيق محمد أبي الفضل إبراهيم. وهي الرابعة في مخطوطة الأعلم الشنتمري، والخامسة في مخطوطة الطوسيّ، والرابعة في مخطوطة السكريّ، والخامسة في مخطوطة البطليوسي، والسادسة عشرة في مخطوطة ابن النحاس والأربعون في مخطوطة أبي سهل». ثم يحيل إلى الفصل الخاص بديوان الشاعر.
ونعود معه إلى تقديم القصيدة حيث يقول:
«ويبدو أنه قالها في الطريق إلى القسطنطينية، لأنها رغم وميض التشاؤم الذي يبرق بين سطورها، تعكس رُوحَ شاعٍر لم يصرع اليأسُ طيب آماله بعد- ومن الوجهة النقدية هي من خير شعره، ولا تكاد تنقص من أروعه، وتبدو فيها شخصية امرئ القيس الشاعر واضحةً. فقد بدأ ها بمقدمة طللية مصرعة طويلة، أطول مقدمة طللية في ديوانه، وتلائم موضوع الرحلة ، وأتبعها بغزل وقور حيّ على غير العادة، انتقل منه إلى تذكر أهله الصالحين....». ثم ينتقل إلى معالجة أفكار القصيدة على النحو المشار إليه سابقًا.
أما القصيدة الثانية- وتعدادها سبعةً عشرَ بيتًا- فيكتفي بعرض ستة منها فقط، وهي القصيدة التي فيها:
فإما تَرَيْني في رِحالة جابر


على حًرج، كالنقرّ تخفُق أكفاني

فيارُبًّ مكروبٍ كررْتُ وراءه


وعانٍ فككتُ الغُلًّ عنه فَفَدّاني

والتي يقول في تقديمها: «القصيدة الثانية التي تتصل برحلة امرئ القيس يأتي ترتيبها التاسعة من الديوان في طبعته الجديدة المحققة- (وانظر الحاشية رقم3 لمعرفة ترتيبها في المخطوطات)- وهي أقصر من الأولى... ومن جوّها يبدو أنها كانت تالية في الخلْق لتلك. بدأها بمقدمة طللية قصيرة، ما لبث أن تجاوزها إلى ذكر حاله مريضًا على سريره يرعاه (جابر بن حُنيّ التغلبيّ) في رحالته..». وبعد أن ينثر الأبيات ثم يعرضها، بعقب عليها بقوله: «وتنتهي به القصيدة، أو ينتهي بها الرواة عند وصف الحصان بأبيات لا تعكس من واقع الرحلة شيئًا، وخارج عن هدف هذا الفصْل أن نعرض لها».
ويقدم القصيدة الأخيرة مشيرًا إلى ترتيبها، وعدد أبياتها، ثم يقول: «وفيما يبدو قالها أثناء عودته، ومقدمتها الطللية لا تتجاوز ثلاثة أبيات، ينتقل منها إلى الحديث عن داء يشدّه إلى السهر....»، ثم يوزع القصيدة على فكرتين مطلع الأولى منهما:
تأوًّبني دائي القديُم فغلّسا


أُحاذِرُ أن يرتدًّ دائي فأنكسا 

فإما تريْني لا أْغمِّض ساعةً


من الليل، إلا أن أكِبًّ فأنْعسا

ويشير إلى البيت الأول من الفكرة في الحاشية بقوله: «هذا البيت يأتي في الديوان بعد تاليه، وكمال المعنى يقتضي تقديمه فقدمناه».
أما المقطوعة التي مطلعها:
ألا أبلغ بني حُجْرِ بن عمر


وأبلغ ذلك الحيًّ الحريدا

بأني قد بقيتُ بقاء نفسٍ


ولم أُخلًق سلامًا أوْ حديدًا

فيقول في تقديمها«أما المقطوعة ففي أبيات ثمانية، وقد تفرد بها الضبيّ فلم يشاركه الأصمعيّ في روايتها! (وبعد أن يشير إلى ترتيبها في الديوان، ويشير في الحاشية إلى ترتيبها في عدة مخطوطات على النحو المذكور في الحاشية، ص101).
يقول: «ويغلب على الظن أنها بقايا قصيدة. لأنها بلا مقدمة طللية، وغير مصرعة، ويبدو أن ترتيبها في الخلق يأتي بعد القصائد التي عرضنا لها من قبل، لأنها تعكس نفس امرئ القيس يرى الموت في طريقه إليه، فلا يملك له دفْعًا، ولا معة مقاومةً، ويتمنى أن يعرف قومه حالَه وما هو فيه..».
ويعرض د. مكي هذه المقطوعة ذات الأربعة الأبيات:
لمن طللُ داثرُ أيُه


تقادم في سالف الأحْرٌس
فإما تريني بي عُرًّةُ


كأني نكيبتُ من النًّقْرَسِ

وصيرّني القرحُ في جُبًّةٍ


تُخالُ لبيسًا ولم تُلْبًسِ

ترى أثرَ القرْح في جلده


كنقْيش الخواتم في الجِرْجِس

ويقدّم لها قبل عرضها فيقول:
وانفرد السكري، برواية أبيات، قاطعة الدلالة في موت امرئ القيس، وتذهب بكل الأقاصيص التي صيغت عن الحلّة المسمومة، فهو يتحدث فيها صريحًا ودقيقًا عن قروح كستْ بدنه، وأعجزته عن السير، كما لو كان مصابًا في مفاصله وتكاثرت، ونزًّ صديُدها، فيبدو معها كلُّ ثوبٍ يلبسه- ولو كان جديدًا يرتديه للمرة الأولى- قديمًا خَلقا قد لًبس دهرًا وتناثرت الدمامل على بشرته كأختام طبعت متراصة على صحيفة».
وبعد أن يعرض د. مكي أربعة أبيات أخرى انفرد بروايتها السّكريّ، قالها امرؤ القيس وهو يحتضر وينتقل إلى البيتين اللذين زادهما أبو سهل في مخطوطته، وهما:
أجارتنا إنّ المزَارَ قريبُ


وإنّي مُقيمُ ما أقام عَسيبُ

أجارتنا إنّا غريبان ها هنا


وكلّ غَريبٍ للغريب نسيبُ

ويعلق عليهما بقوله: «وزعموا أنه قالهما حين حضرته المنّية عند سفح جبل اسمه (عسيب) قريبا من قبر امرأة غريبة مدفونة هناك. وهو استنتاج ممكن، إلا أن البيت لا يقطع به، ويمكن لأي غريب في أيّة رحلة أن يستشعر الغربة، فيجرى على لسانه مثل هذا الشعر إبداعًا وتمثّلاً، وأميل إلى أنهما بعضُ من قصيدة وليسا بمنفردين».
ويأتي تعليفه العام على شعر الرحلة، حيث يقول: «تلك هي رحلة امرئ القيس من شعره، صورت القصائد جانبا غير قليل من مشاعر صاحبها النفسية، بعيدًا عن ديار أهله، في مدن يراها للمرة الأولى، موّزعَ القلب بين مُلْك يرجوه، وأمس طافح بالذكريات... وتصوير الشعر للرحلة أدق وأكمل من تصوير الراوية لها، وإن تجرْد من التفصيل، لأنه بعيد عن الافتعال والخرافة والأسطورة.... وفيما وصلنا منه نعرف شيئًا عن رفاق امرئ القيس في الرحلة وعن مشاعره المتلوّنة، المتأرجحة بين الرجاء واليأس، يقوّي عزائم من معه، فإذا انهارت عزائمه حاول أن يتماسك. وفيه إشارة إلى الأسباب التي جعلته يتجه إلى بيزنطة، وتعداد للمدن التي مر بها. ووصف للطرق التي سلكها والمتاعب التي تعاورته، ثم حركت عليه داءه القديم فذهب ضحّية له. ولا أظنّ شاعرًا داخل نطاق الشعر وقيوده، والفن ومتطلباته، يمكن أن يتحدث عن رحلة له بأوفى مما تحدث امرؤ القيس، إذا أخذنا في الحسبان أن جانبًا كبيرًا من شعره ضاع ولم يصلنا».
وبعد، فهذا ما تسنّى لنا اقتطافه من ثمار أستاذنا الجليل الأستاذ الدكتور الطّاهر مكي، في موضوعنا، ومع هذا لنُ يغني فتيلاً عن التزوّد الكامل والإحاطة الشاملة بالاطلاع على كتابه: (امرؤ القيس: حياته وشعره) الذي يُعدُّ بحقًّ موسوعةً عظيمةً في بابها، عجيبةً جديدةً في اتجاهها. وبخاصة إذا عرفنا أن هذا الكتاب مما يمثل مطلع حياة أستاذنا العلمية.
نسأ الله عمرَ أستاذنا الكريم، ومنحه الصحة والعافيِة، وأدام عطاءه، ونفع به القاصي والداني على سواء.
****



(*) أستاذُ الأدب القديم ونقده المتفرغ بكلية الألسن، جامعة عين شمس، وابنُ دار العلوم دفعة: 1964م.

السبت، 16 أبريل 2016

الدكتور الطاهر أحمد مكي كاتبًا





الدكتور الطاهر أحمد مكي كاتبًا

د. شعبان عبد الجيِّد(*)

الطلاب الذين يدرسون اللغة العربية في جامعاتنا، والقراء الذين يرغبون في فهم طبيعة الأدب والإلمام بموضوعاته وقضاياه، يصابون بخيبة أمل كبرى حين يلجأون إلى ما يكتبه أساتذة الأدب عندنا، علّهم يجدون لديهم ما يعينهم على تذوق النصوص الغامضة وحل المشكلات المستعصية، فيفاجأون بنمطٍ غريبٍ من الكلام، ولون عجيب من النقد، تُعقَل مفرداته ولا تفهم مركباته، فهو معقد وغامض، يدابر العربية ويخالف روحها، وإن تلبس بردتها واستعار أحرفها، وتعجب له : أأعجمي وعربي ؟! وتذكر معه قول ذلك الأعرابي الذي حضر مجلساً للأخفش: «أراكم تتكلمون بكلامنا في كلامنا ما ليس من كلامنا».
وكنا نحسب أن الناقد شارحٌ كبير، وأن التفسير من مهمات النقد الأولى، فإذا به طلاسم وأحاجي، ينفِّرك بأرقامه وإحصاءاته، ويحيرك برسوماته وجداوله، ويدخلك في متاهة عقلية مربكة، ولا تفرغ منه حتى تشعر بالدوار والغثيان . أما من سلم من هذه الآفات والعاهات، فكلامه جافٌّ بارد، مثل جدول الضرب ؛ لا يثير حساً ولا يهيج خاطراً، وشذ من النقاد من صَفَتْ لغته، ورقَّ أسلوبه، واستقام بيانه، ووجدتَ في قراءته لذة ومتاعاً.
والدكتور الطاهر أحمد مكي، أستاذ الأدب والنقد في كلية دار العلوم، وعضو مجمع اللغة العربية بالقاهرة، واحدٌ من أبرز هؤلاء النقاد الأدباء، وأسلوبه في الكتابة نسيجُ وحدِه ،وهو يمثل مدرسة في فن المقالة والدراسة الأدبية، تستحق أن نتوقف عندها، لنرصد بعض خطوطها ومعالمها، ونعرف بأبرز سماتها وخصائصها، وهذا ما تحاول هذه السطور الخجلي أن تضطلع به، وترجو أن توفق فيه .
ثمة حقيقة يجب أن نبدأ بها ونتفق عليها، وهي أن الأدب العربي، منذ أن كان إلى الآن، لم يعترف بغير الفصيح البليغ، وما كان فيه معقداً غامضاً، أو ركيكاً رذْلاً، عرف طريقه إلى الإهمال والنسيان، وذهب بذهاب أصحابه، فالناس لا يرددون إلا ما يلذهم ويمتعهم والأجيال لا تبقى في ذواكرها إلا ما هو جميل وواضح، والحقَّ أقول لكم : إن ما ليس جميلاً ليس أدباً، وما ليس واضحاً ليس عربياً .

·      دراسة في مصادر الأدب :
عرفت الدكتور الطاهر مكي مبكراً، وأنا طالب في المرحلة الثانوية، أيامها كنت قد عرفت طريقي إلى كتب الأدب والنقد، وقطعت شوطاً لا بأس به في قراءة القصص والروايات والدواوين . وكنت أتابع عدداً من المجلات الأدبية والثقافية، من بينها مجلة " الهلال " ومجلة " أدب ونقد "وكان الدكتور مكي من أشهر كتاب الأولى، ورئيس تحرير الثانية، ومن خلالهما بدأت رحلة القراءة له . عرفته في البداية مقالياً من الطراز الأول، واسع المعرفة، متعدد الاهتمامات، صاحب نزعة اشتراكية ظاهرة، يكتب كثيراً عن هموم وطنه المصري، ويلمس برفق مواجع أمته العربية، ويبصر قراءه بما يجري في بلادهم . يعشق الحرية والكرامة، ويتمناهما للجميع، ويكره الظلم والاستبداد، على أي صورة يجيئان، ولا أزال أذكر مقاله " في المدرسة تكون البداية "، الذي ذهب فيه إلى أهمية أن نعني بالثقافة والفن، وأن نحول دون أن يدع أبناؤنا المدرسة، أو يتخرجوا في الجامعة، ولم يقرءوا غير الكتاب المقرر، وهو رديء، والمذكرات الملخصة، وهي مشوهة، وتمنى على وزارة التربية أن تبدأ، ولو بمكتبة واحدة، في مدرسة واحدة، في مكان ما من القطر، وستكون المحاولة، والنجاح فيها، باعثاً على السير في نفس الطريق ... فلنبدأ إذن، ونتقدم بالأمر خطوة، بدل أن نتحاور حول واقعنا الثقافي ومرارته وتخلفه ونقف عند هذا الحد، ولأن تضيء شمعة خير من أن تلعن الظلام ألف مرة ... إلى آخر هذا الكلام الذي كان جديداً على عقلي في تلك الفترة ؛ لغة وفكراً وأسلوباً .
أيامها، وبمصادفة بحتة، وقع بين يدي كتابه " دراسة في مصادر الأدب "، كان نافذةً واسعة على أمهات الكتب الأدبية القديمة، وهو الذي عرَّفني، ولأول مرة في حياتي بـ " طبقات فحول الشعراء " لابن سلام الجمحي، و " الحيوان " للجاحظ، و " الكامل " للمبرد، و«الشعر والشعراء» لابن قتيبة، و " العقد الفريد " لابن عبد ربه، و " الفهرست " للنديم، و«الذخيرة في محاسن أهل الجزيرة» لابن بسام ، و" نفح الطيب" للمقَّري، أما كتاب " البيان والتبيين" للجاحظ و " كتاب " الأغاني " لأبي الفرج الأصفهاني، وقد عرض لهما بشيء من الدرس والتفصيل، فكنت أعرفهما جيداً، قرأت الأول كاملاً حين اشتريت نسخة قديمة منه، وطالعت نتفاً من الثاني وأنا أقلب في مكتبة المدرسة .
شدني ذلك الكتاب إليه شداً، ولم يهدأ لي بال إلا بعد أن ذرعته من الألف إلى الياء. يسر لي هذا لغتُه السهلة البسيطة، وأسلوبُه العذب الرقيق، ومادته الغزيرة المتنوعة، وكانت هذه فاتحة الخير لقراءة واسعة وعميقة في بقية ما أخرجه الدكتور مكي من كتب ودراسات ومقالات . وحين التقيته للمرة الأولى، منذ خمسةٍ وعشرين عاماً، تأكدتُ من صدق ما يقوله الفرنسيون من أن الأسلوب هو الرجل، ليس في فكره ومزاجه فحسب، وإنما في سلوكه ومظهره أيضاً، فهو سمح وبسيط ومتواضع، ويكاد في كل حركاته وسكناته أن يقول لك : " وما أنا من المتكلفين " . وقد تأكد لي ذلك حين توثقت علاقتي به، وطالت صحبتي معه، وشَرُفتُ بإشرافه عليَّ في مرحلتَي الماجستير والدكتوراه ؛ كان صاحب مذهبٍ وعقيدة ؛ وله طريقةٌ خاصةٌ في عرض آرائه وأفكاره ؛ بيد أنه لم يطالبنا يوماً باعتناقها أو الترويج لها، وتركنا أحراراً فيما نقرأ أو نكتب ؛ وعلى الإجمال : لقد علمنا هذا الرجلُ العظيمُ كيف نمشي ؛ ولكنه لم يُكرِهْنا على السيرِ في طرقٍ بعينها !
˜ أسلوبٌ مختلف :
وتقرأ كتبه كلَّها، على كثرتها وتنوع موضوعاتها، فيدهشك هذا التمكنُ الواضح من الفكرة، والسلاسة الظاهرة في الأداء، وتشعر بعد قراءته بأن كلامه جد مختلف ؛ فالجمل قصيرة ورشيقة، والمعاني كثيرة وعميقة، لا مكان للحشو والهذر، ولا وقت للثرثرة والتكرار، فكل لفظة في موضعها، وكل عبارة في سياقها، والفِقَرُ جميعُها مُحكَمة متقنة، يمسك بعضها برقاب بعض، ويؤدي أولها إلى آخرها في نعومة وهدوء، فلا قلق ولا تعاريج ولا نتوءات، وإنما كلامٌ رائقٌ طيِّع، يستجيب لقارئه انقياده لكاتبه، بيد أنه السهل الممتنع حقاً ؛ تغرك بساطته فتظنه قريبَ المورد ميسورَ التأتي، حتى إذا حاولت مثله امتنع على عقلك واستحال على خاطرك. وتقرأ كتاباته كلَّها فتذكرك بما قاله البحتري :
حُزْنَ مستعمَلَ الكلام اختياراً

وتجــنَّبنَ ظُلــمةَ التعقيدِ

وركِبْن اللـــفظَ القريبَ


فأدركْن به غايةَ المـرادِ البعيدِ
 
واقرأ له هذه السطور التاليةَ التي كتبها عن نزار قباني «شاعر الحب والأنغام الراقصة» لتعرف أن أسلوبه كما وصفنا وزيادة :
" في الطَّور الأول جاء شعره غزلياً خالصاً، ولا ضير في هذا ولا ملامة، فكل الشعراء يندفعون إلى هذا الاتجاه في سني صباهم . تشدهم إلى المرأة غريزة دافعة، تلهب أوارها مجتمعات محافظة، تجد في رؤية المرأة عيباً، وفي التحدث إليها إثماً . وفي معايشتها جريمة، وبقدر ما تكون هذه الموانع قوية صادة، والأستار صفيقة حاجبة، وموهبة الصبي الناشئ مرهفة حادة، واستعداده للشعر قوياً مبهراً، يكون حديثه عنها قوياً، وحتى فاضحاً إذا شئت، ولا أظن أن نزار كان نسيجَ وحدِه في هذا الاتجاه، وإن اهتم دون غيره بتسجيل هذه الأشعار ونشرها، على حين قالها آخرون ثم طووها، خوفاً ورهبة، أو خجلاً واستحياء، ومداراة وتوقراً كاذباً، فظلت تروَى شفاهاً، ثم ضاعت مع غياب أصحابها والرواة، لأن أصحابها لم يمتلكوا الموهبة التي تقدم الصورة المثيرة غير المعهودة، عن جمال المرآة، في لفظ يشف ولا يسف، يشى ولا يكشف، يلمح ولا يخدش، يكني ولا يصرح، لم يقدر لشعرهم أن يجد طريقه إلى الذوق العام قبولاً واستحساناً، وأن تسجله الصحف والمجلات والكتب دون أن تجد في ذلك حرجاً .... " (1)
هذا لونٌ من الكلام الرائق، قل مثلُه وعز نظيره، ونمطٌ من البيان الشائق، يشير إلى صاحبه ويدل على منشئه ؛ له حلاوة الأدب الرفيع، وعليه طلاوة الفن البديع . صيغ بلسان عربي مبين، فلا غموض ولا التواء، وصدر عن عقل ناضج رزين، فلا فهاهة ولا ادعاء .

˜ ثقافة واسعــة :
وليس شيءٌ من هذا غريباً من رجل حفظ القرآن الكريم كله وهو على أبواب العاشرة، وتربي سمعه ووعيه على الكلام العربي الأصيل، فأفاد من ذلك تمثل الأسلوب العالي، والدربة على التعبير الصحيح الجميل، والثروة اللغوية التي لا تنفد، والتي تستجيب لك متى احتجت إليها، ثم أتاحت له نشأته الهادئة أن يوسع دائرة ثقافته ويتزود من معارف عصره، وفي صباه الباكر كان يتابع صحيفة " الأهرام " ويقرأ منها على بعض مشايخ قريته، وكان يطالع مجلة الرسالة التي ارتبط بها بقوة، وتعرف من خلالها على عدد من الكتاب أصحاب الأساليب الجميلة، يأتي في مقدمتهم أحمد حسن الزيات، وكان إعجابه بأسلوبه لا يقف عند حد، وحفظ من الذاكرة عدداً من مقالاته، ثم على الطنطاوي، ومحمد سعيد العريان، ومحمود محمد شاكر، ومصطفى صادق الرافعي، وآخرون غيرهم . . ولم تنته دراسته في المرحلة الابتدائية حتى كان قد اقتحم عالم الكتب، وقرأ روايات " شاعرٌ ملِك" و " الشاعر الطموح " و " خاتمة المطاف " و " فارس بني حمدان" و " هاتف من الأندلس "، وكلها لعلى الجارم وهو من أبرز أصحاب الأساليب الفخيمة في النثر العربي الحديث، كما أنها جميعها تدور حول شعراء عرب قدامى ؛ الأولى عن المعتمد بن عباد، والثانية والثالثة عن أبي الطيب المتنبي، والرابعة عن أبي فراس الحمداني، أما الخامسة فإنها عن الوزير العاشق ابن زيدون وقصة غرامه بالولادة بنت المستكفي . وأكيداً، فإن هذه الروايات، بشكلها ومضمونها، قد تركت أثراً كبيراً في ذوقه وفكره ووجدانه .
وحين انتقل الدكتور مكي إلى القاهرة، طالباً في المعهد الديني، وكانت تموج أيامها بألوانٍ من البشر، وتتحدث عدداً من اللغات، وتزدحم بالحركات السرية من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار، وبالأنشطة الثقافية المتضادة – اتسع الوقت لديه ليتابعها كلها ويفيد منها جميعاً، ومنذ اليوم الأول لوصوله إلى القاهرة عرف طريقه إلى دار الكتب، ومن خلالها تعرف على كتب التراث كلها تقريباً، وهكذا بدأ يقرأ في الأغاني، وصبح الأعشى، ونهاية الأدب، ووفيات الأعيان، وغيرها كثير . وكانت التحاقه بدار العلوم خطاً فاصلاً في حياته الثقافية، وهو يذكر أنها تعهدته بالمنهجية التي تضبط حركة القراءة وتقنن فوضى الذوق الشخصي، وفي تلك الفترة، وفي حياته كلها بعد ذلك، سوف يجد لذته الكبرى في القراءة والمعرفة، وبعبارته هو : " لا شيءَ في حياتي يعدل الكتاب، ولا أنام إلا وهو بين يدي، وأوثر أن أرحل في التاريخ الإنساني عبر الأدب، بعيداً عن النفاق والزيف ومشكلات الحياة الصغيرة، في دواوين الشعراء العظام : امرئ القيس، وعمر بن أبي ربيعة، والمتنبي، وشوقي، وأبي العلاء المعري، ومحمد مهدي الجواهري،وعبد الله البردُّوني، ونزار قباني، وغيرهم . فهم يأخذونك إلى سر الحياة، ويطلعونك على جوهرها، حتى وهم يمدحون أو يهجون أو يغالون .
وكل ما هناك، أنهم كالجوهر النفيس، الوصول إلى أعماقه، واستخلاصه، يحتاج إلى معاناة، والى صبر لأنهم صبروا، والفن الرفيع لا يكشف لك سره مع المرة الأولى، وإنما عليك أن تقف ببابه، وأن تعاود الرجاء وتلح في الدخول " (2).
أما عن بعثته إلى إسبانيا، ودراسته هناك ستة أعوام متصلة، فحدث عن تأثيرها في فكره وثقافته ولا حرج ؛ فلقد وسعت آفاقه، وعمقت مداركه، ووصلته بالآداب العالمية والتراث الإنساني، واستطاع من خلال اللغات التي أجادها وأتقنها، أن يتعرف على مذاهب الأدب واتجاهات النقد في أوربا قديماً وحديثاً .
توفرت لأستاذنا إذن ثقافة الكاتب البليغ، وعدة الناقد المقتدر، ونعرض لذلك فيما يلي بشيء من التفصيل :
˜ كاتبٌ شجاع :
لعل أبرز ما يميز الدكتور الطاهر مكي، من وجهة نظري، أنه كاتب شجاع؛ يحمل هموم أمته بصدق، ويعبر عن قضايا وطنه بجرأة، يجهر بكلمة الحق مهما كانت مُرَّةً وموجعة، ولا يخشى في سبيلها لومة لائم، يشخص أمراض المجتمع بدقة وأمانة، ويصف لها العلاج ببراعة ونفاذ بصيرة، لا يجامل ولا يداهن ولا يرائي، يكتب لله وللوطن، ويجول يصنع خيراً، يقول كلمته للناس ويمشي، ولا يريد من أحد جزاءً ولا شكوراً . وسوف أكتفي بثلاثة أمثلة ليتأكد للقارئ أنْ ليس في كلامي شيءٌ من المبالغة أو التزيد . أولها حين كتب عن " حاضر الشعر ومستقبله في مصر "، يقول :
إن مبدعي هذا الزمان، في جملتهم، يريدون أن يكتبوا قبل أن يقرءوا، وأن ينظِّروا قبل أن يبدعوا، وقصارى ما يقرءون صحيفة يومية، أو مجلة أسبوعية، أو كتاباً من هذه السلاسل التي تصدرها الثقافة الجماهيرية، أو هيئة الكتاب، وفيها القليل المفيد، وأغلبها يورث البلادة والتسطيح ...
هل معنى هذا أنه : " مفيش فايدة " ؟ ( لا حظ تلقائية التعبير وغايته ) أعوذ بالله أن أكون من المتشائمين، ( لاحظ تأثره بالعبارة القرآنية ) ولكن معناه أن الأمر جد لا هزل فيه، وأن الخروج من ظلمة هذا النفق يتطلب جهداً جاداً مضنياً، لا تخرجنا منه عشرات المؤتمرات ذات الصبغة العالمية، يرتادها عادة مجموعة من المحترفين في اقتناص هذه الفرص، ونتفق عليها عشرات الملايين من الجنيهات، ثم ينفض السامر عن لا شيء، ولا مئات الندوات نقام كل ساعة على امتداد أيام الأسبوع لا يقبل عليها أحد، لأن الناس فقدوا الثقة في أي تجمع رسمي .....
وماذا بعد ؟
هناك حقائق اجتماعية وبيئية طارئة، علينا أن نكيف حاضرنا معها، وأن نأخذها في الحسبان، وهو أن العاصمة، مركز الثقل في حياتنا الثقافية، تعاني من فساد في الهواء والغذاء والفطرة، وازدحام خانق للروح والعقل والفكر، وتدهور ملحوظ في الذكاء والموهبة، ومع الأخذ بكل أسباب الصحوة يبقى الأمل معلقاً بالقرية والريف، هناك الطبيعة البشرية على فطرتها وفي نقائها، إذا هيأنا لها الأسباب أينعت وأزهرت ... قبل ذلك لا، إن العدم المنفوخ والصخب لا يبنيان نهضة، ولا يبعثان أمة، وقصارى ما يحققان: دوار " تفقد معه الرأس اتزانها، وغشاوة تضل معها البصيرة طريقها ! " (3)
والمثال الثاني من مقال له عن " مسئولية المثقف في مصر والعالم العربي "، وأرجو أن تنتبه إلى الحس الوطني والقومي في هذا العنوان :
" المثقف العربي الحق داعية وحدة، مهمته أن يجمع لا أن يفرق، وأن يكون رفيق نضال في عمل جماعي، لأن الدعوات الفردية تومئ إلى صاحبها بالفضل، وتهدي الجماعة إلى الخير، ولكنها لا توقظ شعباً نائماً ولا تنبه أمة غافلة، ولا تدفع عنها هجوماً عاتياً، وطريقنا إلى ذلك اللقاءات الشعبية، تجيء بدءاً في شكل صلات شخصية، ومؤتمرات جادة غير رسمية، ولا بأس أن تكون متواضعة المظهر، محدودة النفقات، يستطيع حضورها كل " مستور الحال"، فمثلها، يجيء من ورائه خير كثير، لأن القائمين عليها سادة أنفسهم، وأحرار في اختيار قرارهم .
أما الدعوات المشبوهة تأتي بالأقزام والمدعين والمحترفين، تنزلهم أفخم الفنادق، وتجلسهم إلى خير الموائد، وتضع بين أيديهم غالي الشراب، يحلمون ويتخيلون وهم بعيدون عن الواقع، وغير جادين في تحقيق الغاية، ويثرثرون في كل شيء إلا ما هو مفيد ونافع، ولا ينطقون بكلمة قبل أن يقيسوا صداها ،ولا يتخذون قراراً إلا إذا أشير عليهم به فلا يرجى من وراء مثلها أي خير، لأن من يدفع النفقات يملك توجيه القرار، ومع أنها لم تتوقف أبداً في الأعوام الأخيرة، وعلى كل امتداد العالم العربي، كان عائدها لا شيء".(4)
أما المثال الثالث، والأخير، فمن مقال له عن " دار الكتب والرحلة إلى الهاوية "، وهو موضوع كان قد تعرض له من قبل في مقال تحت عنوان " دار الكتب ودورها الثقافي .. من ينقذها من الخراب والتخريب ؟ " :
ولم تتوقف صرخات الآخرين المخلصين، وأذكر أن مجلة الهلال أفسحت لي صدرها منذ أعوام قريبة، لأذكر بما يجري في قاعات دار الكتب من إهمال مريع، ومن استهتار بشع بجمهور المترددين عليها، ومن إضاعة لوقت العلماء وطلاب البحث، حين يمضون ساعات وساعات في انتظار كتاب أو دورية أو مخطوطة، ثم يجيء الرد بالسلب : لأن الكتاب في التجليد، أو بدعوى أنه متهالك، أو مع قارئ آخر، أو لا يوجد، وألف عذر وعذر لا تقوم على أساس، ومنظر فرعها في باب الخلق، وكان الأصل، في شهور الصيف بخاصة، والموظفات منهمكات في شعل الإبرة، وأطفالهن يجرون في القاعة بحرية كاملة، ويبعثون بالكتب علانية، يتخاطفونها ويلعبون بها، دون أن تقول واحدة لابنها : " لا يا ولد عيب " جارح لمشاعر أي إنسان متحضر، أو به بقية من ولاء لهذا الوطن وما يملك .
وهناك من العبث ما يبلغ حد الإساءة إلى مصر نفسها، وتشويه سمعتها، وإلا فليفسر لنا أي عبقري في دار الكتب : كيف يرفض تصوير مخطوطة في دار الكتب لمباحث وافد، عربي أو أجنبي، ومنها نسخ أخرى في بقية مكتبات العالم، إلا من بعد موافقة مباحث أمن الدولة ؟ ما شأن جهة الأمن بتصوير المخطوطات ؟ ...
إن دار الكتب في صورتها التي هي عليها الآن بلغت حداً من التردي، السكوت عليه جريمة، وواجب كل ذي ضمير حي أن يصرخ بأعلى صوته : أنقذوا دار الكتب قبل أن يأتي عليها الإهمال والتخريب ! " (5)
أرأيت إلى الكلام كيف ينساب في خفة وسهولة ؟ هل انتبهت إلى هندسة العبارة وحسن التقسيم وموسيقى الجمل التي تلذك وتعجبك وأنت تقرؤها، وتدغدغ سمعك وتطربك وأنت تنطق بها أو تستمع إليها ؟ إن عصوراً من البيان العربي المشرق، وتراثاً عريضاً من إبداع الكتاب المنشئين، من الجاحظ إلى الزيات، قد امتزج كله ليجتمع في هذا الأسلوب " المكيِّ " النادر . ثم هو كلام رجل غيور على وطنه، يكشف الفساد ويعريه، ويواجه أهل الباطل ويتحداهم، وفي كل ما يخرجه من كتب أو ينشره من مقالات، ينبه قومه إلى الأخطار التي تتهددهم، والمؤامرات التي تحاك ضدهم، كما يرسم لهم صورة لمستقبل أسعد وأفضل، يتساوى فيه الجميع، بلا تمييز ولا تفرقه، وينعم الناس كلهم بالرخاء والحرية والكرامة .
ليس الكاتب إذن رجلاً فارغاً، كل مهمته أن يرصف الكلام ويزخرف القول ليتسلى القارئ أو يتلهى ؛ بل هو ترجمان قومه ودليلهم، والرائد لا يكذب أهله ولا يخدعهم، وإنما يأخذ بأيديهم نحو النور، ويبصرهم بما يضرهم وما ينفعهم، يرتفع بأذواقهم، ويرتقي بأفكارهم ويسمو بضمائرهم، أو كما قال أستاذُنا نفسه ذات يوم : " ولم يكن ميزاني الذي أقيس به قامة المفكرين، جزالة لغتهم، أو بلاغة أسلوبهم، أو عمق أفكارهم، وكل ذلك مطلوب، وإنما قبل ذلك كله سلامة موقفهم، والمفكر، أو المثقف أو الأديب، اختر أي صفة تريد، هو عندي موقف أولاً ".(6)
 ˜ مذهبه في الترجمة :
من الكتَّاب من تقرأ لهم لتستمع بأساليبهم الجميلة وتلتذ بلغتهم الفنية، ومنهم من تقرأ له لتفيد من علمه وتأخذ من فكره، بيد أن هناك صنفاً ثالثاً يجمع بين الحسنيين، ويحقق المعادلة الصعبة، فيمتعك فنه ويقنعك منطقه، وتخرج من قراءته بما يسعد نفسك ويثري عقلك . والدكتور مكي من هذا الفريق الأخير، بل في مقدمته ؛ فكتاباته تُطلَب لذاتها، وكثيراً ما أعيد تلاوة مقالاته أو مطالعة كتبه التماساً للمتعة التي تحدثها طريقته في الكتابة وصياغة العبارة ؛ ليس هذا فيما يؤلفه وينشئه فحسب، بل فيما ينقله ويترجمه أيضاً . وأذكر أن الدكتور حمدي السَكُّوت، أستاذ المكتبات بالجامعة الأمريكية، وكان يعمل خبيراً في مكتبة الكونجرس، وهي أكبر مكتبة في العالم، قال: إن هذه المكتبة تقتني أي كتاب يصدر في أية لغة، فيما عدا الكتب المترجمة ؛ لأن الأصل لديهم، ويُستثني من هذا في اللغة العربية عدد من الكتاب، لا يتجاوز أصابع اليد الواحدة، منهم الدكتور الطاهر مكي، الذي تقتني مكتبة الكونجرس كل ما يخرجه من كتب، مؤلفاً أو مترجماً، لا لقيمتها العلمية وحدها، وإنما لصياغتها الأسلوبية العالية . وأنت بالفعل لا تشعر، وأنت تقرأ له نصاً منقولاً عن الإسبانية أو الفرنسية أو البرتغالية أو القشتالية، وهي اللغات التي يتقنها إتقاناً، أنك تقرأ كلاماً في غير لغته، أو بياناً في غير أصله .
وهذا يذكِّرنا بما آل إليه أمر الترجمة في بلادنا، حيث الأساليب الركيكة والعبارات الثقيلة، والجمل السقيمة المتعِبة التي تأتي وكأنها تجرها خيول، فهي قلقة نابية، أو غامضة سخيفة، حرم أصحابها نعمة الإفصاح والتبيين، فجاء كلامهم بائخا ومضطربا، ليس فيه روح اللغة المنقول منها، وليس له شكل اللغة المنقول إليها. والأصل في المترجم أن يكون متمكنا في اللغتين كما يشترط الجاحظ، ويجب، كما يقول أستاذنا، أن يكون أديباً في اللغة التي ينقل إليها، أو صاحب أسلوب علي الأقل، حتى إذا ترجم شيئا قرأه الناس.
وليست الترجمة بهذا الشرط عملاً سهلاً ولا هيناً، بل هي أشق وأتعب ،" لأن المؤلف – والكلام للأستاذ الزيات .. ينقل مباشرة من ذات نفسه إلي ذات قلمه. أما المترجم فإنه ينقل من لغة تخالف لغته كل الاختلاف في تأليف الجملة ونظم الأسلوب وتصوير الطبيعة والبيئة على مقتضى التربية والعقلية والحضارة , فجهده الأول تطويع اللغة العصية لقبول المعاني الأجنبية قبولاً لا يظهر فيه شذوذ ولا نشوز , وجهده الآخر اندماج فيمن يترجم عنه , فيشعر بقلبه وينظر بعينه , وينطق بلسانه , وبهذا التطويع وهذا الاندماج يتحقق الصدق في التعبير والأداء , ويكون المؤلف والمترجم كالشخص وصورته في المرآة " (7).
وأزعم أن هذه هي طريقة الدكتور مكي في الترجمة , فهو ينقل النص الأجنبي إلى العربية نقلاً حرفياً على حسب نظمه في لغته , ثم يعود فيجريه على الأسلوب العربي الأصيل , فيقدم ويؤخر , دون أن ينقص أو يزيد , ثم يعود ثالثة فيفرغ في النص روح المؤلف وشعوره، باللفظ الملائم والمجاز المطابق والنسق المنتظم , فلا يخرج من هذه المراحل الثلاث إلا وهو على يقين جازم بأن المؤلف لو كان كتب قصته أو قصيدته باللغة العربية لما كتبها على غير هذه الصورة . وإليك نموذجاً من ترجمته لكتاب " الشعر العربي في أسبانيا وصقليه " للمستشرق الألماني فون شاك . فقرة يتحدث فيها عن الشعر في العصر الجاهلي :
" لم يحدث أبداً أن استطاعت أمة على ظهر البسيطة أن تبتدع شعراً في مناخ غير ملائم كما فعل العرب ".
آكامٌ مرملةٌ قاحلة , وسراب يحسبه الظمآن ماءً حتى إذا جاءه لم يجده شيئاً , وجبال صخرية ينمو في شقوقها العوسج ونباتات أخرى قليلة , وترتوي على شُحٍّ بندي الليل , ونادراً ما تجد نهراً يجري هنا أو هناك , فترى أشجار النخيل , وبعض الأعشاب العطرية, وشيئاً من الحشائش الخضراء , ثم الأعاصير التي تثير زوابع الرمال , والشمس ترسل أشعتها حارقة ملتهبة , وأحياناً تتغير هذه الرتابة الحزينة , عندما يدوي الرعد ويهطل وابل انتظره الناس طويلاً , أو عندما تلمع نجمة سهيل , والثريا عمودية , في قبة سماء صافية زرقاء ..
لقد احتل الشعر مكانة عالية بين أبناء الصحراء هؤلاء : لصوصاً , وقطاع طرق , وتمتلئ حياتهم بالمغامرات الخطرة والنكبات المستمرة , وفضَّلهم على أبناء المدينة المثقفين – يا للغرابة – بلغ هذا الفن حداً عالياً من الكمال والإتقان , ولم يحدث أبداً في أزهى عصور الثقافة وأشدها صقلاً أن أربى على ما عرفه هنا , من أناقة اللغة وروعتها , ومراعاة أدق قواعد العروض الشديدة التعقيد ".(8)
واضحٌ أن هذا البيان المشرق ليس مجرد ترجمة , إنه " تعريب " إن شئت , يذكرنا , مع الفارق طبعاً بطريقة شيخنا المنفلوطي في صياغة الروايات والقصص التي كانت تترجم له. وبالمناسبة فإن أستاذنا متأثر في أسلوبه بعدد من الكتاب البيانيين , يأتي على رأسهم أحمد حسن الزيات , كما صرح لي غير مرة , بيد أنه لا يقلد واحداً منهم أو يترسم طريقته , صحيح أنه من مدرسة صاحب " الرسالة " ما في ذلك من شك , لكنه تخفف كثيراً من أعباء الزينة اللغوية والبديعية التي كان يزخرف بها الزيات جمله وعباراته , فهو يستخدم المحسنات في قصد واعتدال , حتى لا يطغى الشكل على المضمون , فينسي القارئ في زحمة الصور البيانية والتراكيب الموسيقية , ما يعنيه الكاتب أو يرمي إليه . وانظر إلى الطلاقة اللغوية والثراء المعجمي , واللفظ الذي يعانق معناه ويتصلان بعقل القارئ في لحظة واحدة , في هذه الفقرة التي كتبها عن " جورج سيمنون " أحد أبرز كتاب الرواية البوليسية في أوربا :
" أشهب الخيال , له وجه طفل معاقَب , وعينان صغيرتان جداً , ومستديرتان وتستقران على حال .
وهو عازف عن الشهرة , لا يعتقد فيها , ولا يسعى إليها , وإن جاءته تحبو , ولا تعنيه الأمجاد الرسمية في شيء , وحين سعى الكاتب الفرنسي فرانسوا مورياك أن يحصل له على الجنسية الفرنسية , إلى جانب جنسيته البلجيكية , حتى يستطيع دخول الأكاديمية الفرنسية لأنها شرط في عضويتها , شكره على المحاولة وأدار له ظهره .
إنه فيكتور هيجو , أو هكذا يلقبونه , يكتب تحت شجرة أَرز , ويتدفق كالنهر العظيم حاملاً كل شيء , الصدف والدر , ويكون متجدداً نظيفاً مرة , وراكداً آسناً مرة أخرى , ويجمع بين اللطف والجهامة , ورقة الشعر وعامية التعبير , وهو أناني واجتماعي, وفردي ومشارك , وكل هذه الخصال مجتمعة تصنع كاتباً عظيماً " (9).
˜ حكّاءٌ بليغ :
ولا يمكن أن نتجاوز حديثنا عن الدكتور الطاهر مكي كاتباً قبل أن نتوقف ولو قليلاً, عند كتابه الممتع " السلطان يستفتي شعبه " وهو مجموعة حكايات شعبية طريفة , التقطها أستاذنا من طنجة ومراكش , أثناء تردده عليها وهو طالب بعثةٍ في أسبانيا في الفترة ما بين 1957 و 1964.
ودراسة هذه الحكايات شكلاً ومضموناً , بناءً وغايةً , له موضع آخر , أود أن أشير هنا إلى أن الدكتور مكي كان يسمعها من شاعر شعبي , أو حكّاء متجول , يهدر بها في لهجة مغربية , تخالطها كلمات فرنسية وأسبانية وإيطالية وبربرية , وأكيداً فإن صياغتها الأخيرة قد ابتعدت عن صورتها الأولى كثيراً , فقد نقَّاها أستاذنا وصفَّاها , فجعل فوضاها فناً منظماً , وأحال ترهلها أدباً محكماً , وكانت هيكلاً مجرداً , فكسا عظامها لحماً, وأنشأها خلقاً آخر , وإن احتفظ لها في النهاية بروحها وجوهرها فجاءت على يديه تحفة أدبية بديعة , تشهد لصاحبها بالتمكن من فن القص البديع , والقدرة الفائقة على السرد المتوهج المثير , في لغة حية نابضة , وألفاظ حارة وموحية , تأسر القارئ بروعتها , وتنقله عبر الزمان والمكان والبشر , وهاك مثال من حكاية طريفة وشائقة عنوانها " عندما تعشق بنت السلطان " :
" مثل سيف أصفهاني , تجرح فتنة عينيها من يركز نظره فيهما , ومن يحاول الإفلات من سحرهما سوف تدركه أهدابها الآسرة , سهاماً نافذة , تصيب أشد الناظرين جرأة وحيطة , وشجاعة وهيبة .
لقد اندسَّت دُجُنَّة ُ الليل في شعرها الفاحم , واستقرت أشعة القمر فوق جبينها المشرق , وبدت في لألاء جمالها تغار منها الحوريات الفاتنات الهارباتُ من الجنة.
 هكذا ظهرت الأميرة ! ....
عندما تبتسم تحرك دواعي الصبابة والهوى في أشد القلوب قساوةً , وعندما تطأ حفي الحديقة بأقدامها الناعمة الجميلة يتمنى من يراها أن لو كان بساطاً تدوسه بهما , من سنا وجهها تطل فرحة الدنيا , وفي لطف حديثها سحر هاروت وماروت , وفيضه يتدفق في كل وقت , آناء الليل وأطراف النهار , وعبر أبهاء القصر الوسيعة , وقاعاته الفسيحة , تتردد أصداء صوتها الحلو , وهي تترنم بأغنيات رقيقة جميلة , على أنغام وشوشات المياه , تتدفق من النوافير , ومن أفواه تماثيل الحيوانات التي تحيط بها أو تجري عبر القنوات , فتتحول إلى تراتيل ساجية , تضفي على المكان قدسية , وتملأ النفوس تقىً وخشوعاً , ولكن آهٍ من الدنيا " (10) .
بقيت نقطة واحدة , تتصل بسر هذا الأسلوب الناصع البديع , وما وراء ذلك الوضوح العميق , أو العمق الواضح إذا أردت : هل هي طبيعة الدكتور مكي وموهبته الفطرية ؟ هل هي بيئته وثقافته ودراساته ؟ هل هي أفكاره وتجاربه ومبادئه ؟
في رأيي أن كل ذلك مجتمعاً صنع هذا الأسلوب , فالرجل كما أعرفه , صادق مع نفسه , أمين مع قرائه , ليس عنده ازدواجية في الفكر , وهو صريح في مواقفه كلها ,إلى درجة الحدة أحياناً، يتمسك بما يرى أنه الحق، ويتعصب له , ومذهبه : " إن رأيي صواب يحتمل الخطأ ورأي غيري خطأ يحتمل الصواب " مثلما كان الإمام الشافعي يقول.
حكى لي ذات مرة أن رفاق طفولته - في صعيد مصر – كانوا يرفهون عن أنفسهم بالنزهة في الحقول والمزارع, أو السباحة في نهر النيل , أو بلعبة التحطيب , أو ما شابه هذا من ضروب اللهو والمرح, أما هو فكان يجد متعته الكبرى في الصحراء , يقصدها قبل الغروب, حيث الجمال والجلال , وحيث روعة الخلق ورهبة الخالق : أفق ممتد بلا نهاية, وبساط رملي ناعم لا يدرك الطرف مداه , وسماء صافية زرقاء , قلما تعكر صفوها السحب أو الغيوم , والله وحده يعلم ما الذي وراءها من عوالم وأكوان، مناظر تورث في النفس إحساساً بالإعجاب والخشوع , وتثير في العقل فيضاً من الخواطر التي تبعث على التفكر والتأمل .
أزعم أن هذا كله سوف يؤثر كثيراً في عقل أستاذنا , وسوف يكون مقياسه الأكبر في الحكم على العمل الأدبي , مهما كان نوعه , أن يكون له صفات صحرائه تلك, فالجمال وحده لا ينتج أدباً عظيماً, والجلال بمفرده لا يصنع فناً خالداً .
وأعتقد أن هذا الأمر هو مفتاح شخصية أستاذنا , ومدخلنا الطبيعي لمعرفة سر الجمال والقوة في أسلوبه الأدبي ومنهجه النقدي على حدِّ سواء .
وبعد ...
فقد أشار لي بعض أساتذتي أنني أترسم طريقة أستاذنا في التعبير وأحذو حذوه في الكتابة، وهذا شرفٌ أدَّعيه، وإن كانت وسائلي لا تدركه، وغايةٌ أسعى إليها، وإن كان بيني وبينها أمدٌ بعيد ؛ والرجل قبل ذلك وبعده يسكنني ؛ وأنا ثمرةٌ من ثمار غرسه، ولا غرابة في أن يقترب أسلوبي من أسلوبه ؛ ولا عجبَ في أن يشبه الابنُ أباه !!!

****

الهوامش
1)   مجلة الهلال , يونيو 1998م , ص 91.
2)   مجلة الهلال , يوليو 1998م , ص 185.
3)   مجلة الهلال , أغسطس 2000م , ص 50 وما بعدها .
4)   مجلة الهلال , أكتوبر 1985م , ص 52-53.
5)   مجلة الهلال , فبراير 1992م , ص 60 وما بعدها .
6)   مجلة الهلال , فبراير 1997م , ص 68 وما بعدها .
7)   ضوء القمر وقصص أخرى , ترجمة أحمد حسن الزيات , كتاب الهلال , مارس 1992م , ص 13 – 14
8)   الشعر العربي في إسبانيا وصقلية , الجزء الأول , فون شاك , ترجمة الدكتور الطاهر أحمد مكي , الطبعة الأولى , دار المعارف سنة 1991م , ص 19 – 21
9)   هذه المرأة لي , جورج سيمنون , كتاب الهلال , نوفمبر 1987م , من تقديم الدكتور الطاهر أحمد مكي , ص 22 – 23
10)    الإمبراطور يستفتي شعبه وحكايات أخرى , د . الطاهر أحمد مكي , الطبعة الأولى , مكتبة الآداب , سنة 2000م , ص 104 – 105.

****



(*) أستاذ الأدب والنقد بكلية التربية جامعة السادات.