الجمعة، 15 يناير 2016

الطاهر مكي كما عرفته د. محمد أبو الفضل بدران(*)

1.
«... كَادَ مِن شُهرةِ اسمِهِ لا يُسَمّى» البرودني.

ها هو البردوني متحدثا عن المتنبي، البردوني الذي ما عرفناه لولا أستاذنا الدكتور الطاهر مكي ؛ فلماذا لا أستعير شطر بيته هذا لنبدأ الحديث عن الطاهر مكي الذي «كَادَ مِن شُهرةِ اسمِهِ لا يُسَمّى» ؛ عندما كنت طالبا في الفرقة الأولى بالجامعة تمنيت أن أراه بعد أن قرأت كتابه الرائد عن امرئ القيس في مرحلة الثانوية، وشدّني هذا الكتاب إلى عالم أمير الشعراء لا منازع، ورحت أقرأ ما كتبه عن دارة جلجل، ولأول مرة أحس حلاوة المعلقات، لقد أهداني بكتابه هذا عشق الشعر الجاهلي، كيف يتجشم عناء السفر من القاهرة إلى قنا بالقطار، كان القطار يصل إلى المحطة في الخامسة مساء ،
ها هو قادم كالرمح في مشيته المميزة، دخل القاعة في إباء وتواضع الكبرياء، وقال لنا :
معذرة يا أبنائي فقد تأخر القطار، يا إلهي : الطاهر مكي يعتذر لصبية قادمين من الثانوية، وكان هذا الاعتذار درسا في تواضع العلماء، ربما لا يدري الأستاذ كم يؤثر في طلابه!
وبدأ الطاهر مكي يتحدث عن مصادر الأدب وراح يقدم لنا أبا الفرج الأصفهاني وكتابه الأغاني، وكأنه كان صاحبه وملازمه، يضحك على المواقف التي تعرض لها المجنون قيس، ثم يردف مبتسما : لم تكن ليلى جميلة ولا حاجة!! ولكنه العشق، يفند الروايات ويحاكم الرواة والأسانيد، تخرج من المحاضرة وقد قرأت الكتاب دون أن تلمسه.

2.
تدعوه لأمسية شعرية وقد أسسنا نادي الأدب والفكر بالكلية، يأتي مكي ويستمع إلينا جميعا شعراء ومتشاعرين ثم ينقذنا في رفق وتشجيع، هنا كسر عروضي، وهناك صورة غريبة لو ... ينتصف الليل، نمشى معه في شوارع قنا التي يحفظها فقد درس بها فتى، يشرح لنا هنا سكنتُ وهنا تعرفت على المدينة إذ كان قادما من المطاعنة وهي قرية بإسنا، فنداعبه في احترام "يا مرحبا بقنا وإسنا" فيقول لنا ليس حفني ناصف وحده المنفي إلى الصعيد، يا ولدي ما يزال الصعيد منفى!! يتحدث عن الصعيد بوله، وكأنه عمدة الصعيد، يحل مشكلاتهم ويجلس معهم في القرية، ويلاحقونه في القاهرة، يضحك وهو يحكي لي، يجيئون إليَّ بالقاهرة؛ واستأذنت منهم في الصباح كي أطبع امتحانا سيُوَزع بالكلية في التاسعة صباح اليوم، عندما عاد لم يجدهم بالشقة في العجوزة حيث كان يقطن، ويعرف من أخيه المستشار عبد الستار رحمه الله تعالى أنهم غادروا غاضبين "الطاهر سابنا في الشقة ومشى للشغل"!

3.
فى مدخل الحمراء كان لقاؤنا
ما أطيب اللقيا بلا ميعاد
نجلس مندهشين في القاعة بقنا ؛ ونحن نتجول في قاعات قصر الحمراء بالأندلس الذي يصفه لنا حجرا حجرا، بيتا بيتا، هذه الأبيات الشعرية، والمقولات "لا غالب إلا الله" فوق جدران الحمراء، يحول قصيدة نزار قباني إلى لوحة عشق وأسى للأندلس، نتخيل هذا الحوار الذي يقرّبه لنا ويصفه لنا وكأنه الراوي العليم الذي صاحَب نزار قباني في الحمراء وفي جنة العريف، عندما زرتُ غرناطة ودخلت الحمراء كان دليلي هناك الطاهر مكي، ورحتُ أردد قصيدة نزار "بصوت مكي في قاعة الكلية:

في مدخل الحمراء كان لقاؤنا


ما أطيب اللقيا بلا ميعاد

عينان سوداوان في حجريهما


تتوالد الأبعاد من أبعاد

هل أنت إسبانية؟ ساءلتها


قالت: وفي غرناطة ميلادي

غرناطة؟ وصحت قرون سبعة


في تينك العينين .. بعد رقاد

وأمية راياتها مرفوعة


وجيادها موصولة بجياد

ما أغرب التاريخ كيف أعادني


لحفيدة سمراء من أحفادي

وجه دمشقي رأيت خلاله


أجفان بلقيس وجيد سعاد

ورأيت منزلنا القديم وحجرة


كانت بها أمي تمد وسادي

سارت معى .. والشعر يلهث


خلفها كسنابل تركت بغير حصاد
يتألق القرط الطويل بجيدها


مثل الشموع بليلة الميلاد

ومشيت مثل الطفل خلف دليلتي


وورائي التاريخ كوم رماد

قالت : هنا "الحمراء" زهو جدودنا

فاقرأ على جدرانها أمجادي

أمجادها؟ ومسحت جرحاً نازفاً


ومسحت جرحاً ثانياً بفؤادي
يا ليت وارثتي الجملية أدركت


أن الذين عنتهم أجدادي

عانقت فيها عندما ودعتها


رجلاً يسمى "طارق بن زياد"

4.
في عشقنا اعتمدنا على ابن حزم وطوق الحمامة بتحقيق الطاهر مكي وكنا نتجول في قرطبة ونحن في قنا ونقول عن المحبوبة نقلا من شعر ابن حزم :
أغارُ عليكِ من إدراكِ طرفي              وأشفقُ أنْ يُذيبك لَمسُ كفَّي ...
ثم يقول لنا : تذكّروا أن قائل هذه الأبيات الفقيه ابن حزم، كان يقول ذلك في الثمانيات فماذا يقول اليوم؟!
5.
يدعونا الأمير الفضل بن العباس الدندراوي للحوار والغذاء على ضفاف النيل ببيته "ساحة النور" بدندرة، يتحول الطاهر مكي في حواره من زعيم في حزب التجمع إلى صوفي حتى النخاع، كنتُ معيدا آنذاك، رأيته يناقش في الأحوال والمقامات، ورأيت على وجهه سيم الرضا، تحدث الأمير الفضل عن أحوال المسلمين في العالم ؛ وعما ينبغي أن يكونوا عليه، كان الأكل شهيا لكن الحوار أشهى وألذ.
في أثناء عودتنا ترجّل مكي فوق كوبري دندرة الذي يربط بين قنا الشرق ودندرة والترامسة الغرب، مشينا في معيته وكأننا المريدون في إثر شيخهم، أو الحلاج وأتباعه على نهر الفرات مرددا :
 واللهِ ما شرقتْ ولا غربتْ


إلا وذكركَ مقرونًا بأنفاسي
وما خلوتُ إلى قومٍ أحدَّثهم


إلا وأنتَ حديثي بين جُلاَّسي

وما هممتُ لشربِ الكأْس مِنْ ظمأ

إلا رأيتٌ خيالاً منكَ في كأسي
           
6.
استشرته قبل سفري إلى ألمانيا، نصحني بالسفر وأن تكون أحلامك باللغة الألمانية، لكن لا تنس موضوع كتابك عن "الخَضِر"، كان يتابع أبحاثي وأشعاري ويقوّمها في أبوة حانية أحيانا وقاسية في أحايين أخرى، وهو يتمثل بالبيت الشهير :
فقسا ليزدجروا ومن يك حازما          فليقس أحيانا على من يرحمُ

7.
حدثني عن الأدب الإسلامي المقارن، أستطيع أن أقول إنه دلّنا على كنزل لم ننتبه إليه، هل كنا مندوهين بنداهة الغرب في الأدب المقارن، وكأن مركزية الغرب في كل شيء حتى في الأدب المقارن، كيف لم نتجه إلى الأدب الإفريقي والأوردي والتركي والفارسي وغير ذلك مما يجاورنا ونعيش في معيته دون أن نلتفت إليه، أرى أن ذلك كان فتحا جديدا في الدراسات المقارنة ؛ وكم فرح بكتابي "الخضر في الآداب العالمية" الذي قال لي : "هذا هو الكتاب الذي تمنيت أن أكتبه" فرحي بمقولته فرح لا يوصف، كيف لأستاذ في قامته يشجع تلميذه بهذا الكلام، وكأنه نسي أن هذا الكتاب وليد محاورات معه ونبت كتابه عن الأدب الإسلامي المقارن.
8.
يقرر أن يرشح نفسه لانتخابات مجلس الشعب عن محافظة قنا ضد أمين حزب مصر الحاكم آنذاك، أقيمُ له أمسية في حبه بقريتي العويضات بقفط، يتجمع أهلي والقرى المجاورة في مشهد لم تره القرية من قبل ؛ الجميع يتدافع للسلام عليه، الأطفال يفترشون الأرض تحت جميزة المَلقَه كما نسمي ميدان القرية، يربط مكي بين مَلَقَة العويضات و"ملقا" الأندلس وينشد الشعراء قصائد في مدحه يحثونه كي يمضي في الترشح حتى يخلصنا ؛ يقول له الشاعر العامي ربيع فريد :
"يا نور المنادرْ
يا طاهر يا طاهرْ
يا نائب بلادنا
كفاية وجودكْ
وعلمك وجودك
يا نور المنادر"
ويقف الطاهر مكي وقد هاله هذا الجمع وهذا الحب ليقول : "لقد كان أحمد شوقي يقصدني عندما قال :
قد يهون العمرُ إلا ساعةَ         وتهون الأرضُ إلا موضعا
ويصفق له الحضور فيعلق على صِبية تسلقوا شجرة الجميز العريقة أمام مندرتنا وهم يصفقون له فيطلب منهم أن يمسكوا بأطراف الشجرة حتى لا يسقطوا وأنه مقدر حضورهم وفرحهم به راجيا في مودة أن يتركوا أمر التصفيق للأرضيين، وتضج الملقة بالتصفيق والبهجة.
يأخذ من الأصوات ما يحقق له الفوز ولكن النتيجة نجاح الآخر !!!

9.
عندما كنا طلابا في السبعينيات كتب الطاهر مكي في الصحف والمجلات مطالبا بإنشاء جامعة في قنا، قابل المسئولين في حماس، وكان معه الدكتور إسماعيل معتوق رحمه الله، ولم يكن أحد يعتقد في جدوى ما يكتب لكن تحولت الكليات الثلاثة إلى فرع لجامعة أسيوط ؛ ولم تفتر همته بل دافع حتى تحقق له في 1995 إنشاء جامعة جنوب الوادي في قنا، كلنا في الجامعة مدينون لهذا الرجل.

10.
تعدّ طالبتي منى عبد العظيم رسالة ماجستير عن الطاهر مكي مبدعا وناقدا، يكتب لها سيرته الذاتية في صفحات قليلة، فأقول لها : ليته ما سكت، إنه لا يود أن يتكلم عن نفسه، لديه مخزون من المعلومات والأسرار، متى يبوح به، ومتى يكتب سيرته الذاتية؟ ستكون مرجعا لحقب لم نعشها وخبايا لمّا تكتشف بعد، متى تبدأ؟

11.
كم كان فرحا وهو يقرأ مقالاتي عنه في الحياة ودراسات ثقافية وفي "العرب" اللندنية، وغيرها يهاتفنى شاكرا، وهو لا يعرف أني اتخذته قدوة لي منذ أن قرأته، عندما أتصفح ما كتب أوقن أن هذا الرجل قد جاء في زمن ليأخذ أمثالنا إلى العلم، وعندما أرى نصف مليون من الشباب تخرّج من جامعة جنوب الوادي منذ كانت فرعا لجامعة أسيوط أوقن أن هذه هي الصداقة الجارية والعلم الصالح الذي ينتفع به، وأن أبي عندما قال له «لا تنسنا من دعائك» كان في قلبه أن «العلماء ورثة الأنبياء».



(*) كلية الآداب في قنا - جامعة جنوب الوادي ، الأمين العام للمجلس الأعلى للثقافة.

قصيدة عرفان د. منى ربيع بسطاوي(*)

إن من أجل القيم وأعظمها العرفان بالجميل وإني لأشرف الشرف جميعه، وأعتز الاعتزاز كله لأعترف لصاحب فضل عليَّ وعلى جميع أبناء وبنات الجيل، له يد طولي شخص وإليه الفضل كل الفضل على مسيرتي في الحياة.
إلى صاحب اليمينين العربية والإسبانية
إلى حجة الأدبين العربي والإسباني
إلى رائد الأدب الأندلسي بلا منازع في الشرق والغرب.
إلى أبي وأستاذي وقدوتي ومثلي الأعلى.
إلى العالم الجليل أ.د. الطاهر أحمد مكي...

1- وها هو شِعْري يخط البيانَ 


بكل ابتهاج إليكَ دَنَاَ

2- وقد كان يُهمِلُ مَدْحَ الأنامِ


وعند مديحِكَ أنت اعتنى
 
3- أعَدَ الصِحَافَ، أتى بالمِدادِ


ومن كلّ شَهدِ اليرَاعِ اجتني

4- ومن ذا سواكَ استحقّ الثناءَ


وأهدي الرّيَاحِينَ لأِرْواحنَا

5- سَتَبْقى شهَابًا لكل العُصُور


وتاجًا تمنّاه أعْلامُنَا

6- أتيتَ، ولولاك حَلّ الظّلامُ


فكانَ الإلهُ لطيفًا بنَا

7- تَكَلّفْتَ بالعلمِ أنّ تَزْدَهيهِ


بديلَ الدّمَاءِ بأجْسَادنَا

8- وما الجهلُ إّلا ظلامُ شديدُ


وأنتَ المَنَارةُ، أنتَ السّنَا

9- فيا من تريدُ اجتماع العلوم


إلى الطّاهِريّ تَعَالَ هُنَا

10- ستنهلُ علْمًا يُغَذي العقولَ


وَتَمْحَقُ جَهْلَّا وتَنْسَي العنَا

11- أرى الدهرَ صَعْبَ المِراس ولكنّهُ

إذا ما رآكَ إليكَ انحنى

12- أرى العلمَ يمضي لنفع الوَرَى

إذا اختصَّ منكَ ببعض الثّنَا

13- سأدعو إليكَ بعُمْر مَدِيدٍ


تَقبّل دعائيَ يَا ربّنَا

الأحد، 13 ديسمبر 2015

من أبحاث العدد 52 الخاص بتكريم العلامة الطاهر مكي (صحيفة ار العلوم)







 (امرؤ القيس حياته وشعره) للطاهر أحمد مكي
من سيمياء العتبات إلى شواغل التلقي






د. محمود النوبي أحمد سليمان
أستاذ الأدب العربي المساعد
كلية الآداب بقنا - جامعة جنوب الوادي



توطئة
1-   امرؤ القيس، إحياء عصري.
من فضل القول الخوض في التعريف بامرئ القيس؛ فللشاعر ولشعره مكانة ثقافية وأدبية في المجتمع العربي عامة، فقد خلَّد التاريخ اسمه وشعره، ولكنْ ليس للعمل الفني ولا للفنان أن يُخلِّد كلٌّ منهما نفسه، فإذا كان لهما أن يبقيا وأن يظلا خالدين فيجب أن يُعاد خلقهما دائمًا في عقول من يتلقونهما، وقد كان لمكي الفضل في إعادة خلق امرئ القيس بدراسة رائدة، تتناسب مع حجم المؤلف ومكانة المبدع الذي أُعيد خلقه. فكتاب (امرؤ القيس حياته وشعره) إحياء عصري للشاعر ولشعره، لا يفرض فيه المؤلف رأيًا، ولكنه يعرض صورة وفكرة، ويترك للقارئ التخيل والتفكير، ثم يأخذه نحو التسليم والاقتناع، وهذه القوة الفنية للناقد الحقيقي.
وفي إعادته قراءة امرئ القيس كان يبحث عن الروح الإنسانية للعصر الذي يعيشه القارئ المعاصر، إضافة إلى رسم صورة للعصر الذي عاش فيه المبدع/ امرؤ القيس.
2-     الأستاذ الدكتور/الطاهر أحمد مكي، الأستاذ بكلية دار العلوم جامعة القاهرة، من مواليد محافظة قنا بصعيد مصر الأعلى، تخرج في دار العلوم سنة 1952م، حصل على الدكتوراه في جامعة مدريد سنة 1961م. ومن فضل القول أيضًا إطالة الحديث عن الناقد؛ فهو من أعلام العصر، ورواد الدراسات الأدبية، ليس في مصر وحدها بل في الوطن العربي وإسبانيا المعاصرة.
وهو المشار إليه في البحث بالكلمات: (مكي - الناقد - المؤلف - المبدع الثاني).
...
(لقراءة البحث كاملاً انظر صحيفة دار العلوم العدد 52 )

الخاتمة:
وبعد...
يبقى ما توصل إليه البحث قابلًا للردّ والقبول، فإمكانات سوء الفهم باقية؛ لأنه عمل بشر، أرجو به أن أكون قد بلغت بعض الهدف، مع سلامة القصد، وإخلاص النية، كما أرجو أن تُغفر لي جرأتي على الدخول بين مبدعين تقصر القامة أمامهما (امرئ القيس، ومكي)، ولكن عزائي أن المبدع الأول شاعر طليعي نصه مفتوح لكل تأويل، أما المبدع الثاني فليس هو مكي اليوم، فالفارق كبير بين شاب يضع أول مؤلف له أمام القارئ، وناقد راسخ القدم معروف إقليميًا وعالميًا. ولا يعني ذلك النظر في القيمة والقامة، ولكنه التماس عذر، وإشارة إلى سياق التأليف، فقد ولِدَ مكي كبيرًا ومازال يكبُر في أعيننا وقلوبنا حتى توهمنا أنه كان في تلك السنة أقل مما نراه اليوم، فأكدت الدراسة خطأ التوهم، وصحة التوجه نحو اختيار الكتاب (امرؤ القيس...). ووصيتي للباحثين النظر في تطور الخطاب النقدي عند مكي، وأثر السياق في هذا التطور، مع البحث عن الأسباب وتحديد الملامح.
وحسبي أن أقتبس عبارته هو في امرئ القيس، لأقولها فيه منه: "فلعل في هذه الدراسة بعض الوفاء له، وإنها لدونه وإنه لأكبر منها"، لعلها تليق به، ولعله يرضى بها بعد هذا الزمن الطويل من صياغته لها.

وقد توصلت الدراسة إلى النتائج الآتية:
-         إن النص الشعري الجاهلي رسالة ذات شفرات غير محددة تحديدًا يقينيًا، يتيح للقارئ أقصى درجة من الحرية في إنتاج المعنى.
-         إن العكوف على القراءة في السيميائيات واللسانيات الحديثة يفتح أمام الباحث أبوابًا عدّة في اتجاهات تحليل الخطاب الأدبي أو النقدي، لكن الانسياق وراء تلك التحليلات قد يأخذ الباحث إلى عالم لا نهاية له من التصورات والتأويلات والتلفيقات.
-         إن الخطاب النقدي عند مكي خطاب تفاعلي لا يخضع لرغبة الناقد وحده بل يخضع لحركية التلقي وبناء السياق.
-         إنه من الضروري إعطاء اهتمام لما هو أكبر من محيط النص ليصل إلى كل التاريخ الثقافي الكامن في عقل المشاركين في الخطاب(المرسل والمتلقي).
-         إن مكي في كتابه (امرؤ القيس...) قد اختزل في تناوله لحياة الشاعر وتحليله للنصوص الخطابات السياسية، والاجتماعية، والفكرية، والثقافية للمصريين والعرب عامة، وراهن على نجاحها بتمثله الضمير القومي للجماعة بكل ما فيه من آلام وأوجاع، وأحلام وآمال، وبقدرة خاصة على نقد الذات، جامعًا بين توقد الحس التاريخي، والرغبة العارمة في التجاوز. وبهذه المقاربة لم تكن رموز العصر في إنتاج الخطاب هي أدوات تعرّف لامرئ القيس وعصره فقط، ولكنها أيضًا أدوات لإنتاج خطاب محاور فيه تعرُّف على الحياة المعاصرة وما يدور فيها من أحداث، وما يجب أن يكون عليه الإنسان العربي المعاصر.
-         سعي الناقد إلى إجراء نوع من المقارنة بين جدائل الهيمنة السائدة خلال العصرين (عصر الشاعر، وعصر الناقد)، ومحاولة بناء هيمنة مُقاومة بطلها امرؤ القيس وكل شاب عربي يسير سيره.
-         صارت اللغة عند مكي فعلًا اجتماعيًا، وليس مجرد خطاب شفوي أو مكتوب، وذلك بما اكتسبته من روابط دلالية في عملية الاتصال.
-         إن اللغة في الكتاب تتغذى من تربة السياق الشعري لامرئ القيس.
-         إن جمهور القراء في مصر والوطن العربي لم يُقبِل أكثرهم على كتاب (امرؤ القيس...) من أجل امرئ القيس وشعره، ولكن إقبالهم كان من أجل الناقد الذي قدَّم امرأ القيس تقديمًا ذاتيًا جديدًا.
-         ولما نراه في دراسة مكي من تأمل عميق، وقيام على النص من الداخل، يتحول النقد إلى أدب، فيما يمكن أن نسميه (أدبًا نقديًا) على حد تعبير أدريان مارينو.

(لقراءة البحث كاملاً انظر صحيفة دار العلوم العدد 52 )


الأحد، 29 نوفمبر 2015

كتاب تكريمي عن العلاّمة الطاهر مكّي في عيده التسعين - صلاح حسن رشيد



جميل جداً؛ أن يجد الوفاء له موطئ قدم في عالم اليوم؛ المتسارع اللاهث وراء المادة، والمصلحة، والأنانية. ومن هنا؛ كان صدور كتاب تكريمي جديد؛ لمناسبة بلوغ العلاّمة الدكتور الطاهر أحمد مكي التسعين (1924) حدثاً ثقافياً رفيعاً؛ تلقته الأوساط الأكاديمية، والأدبية بحفاوةٍ ورضى، وقبول حسن؛ دلَّ عليه نفاد طبعة الكتاب خلال أيام قلائل، وحرص المثقفين على أهمية اقتنائه؛ لما تضمنه من دراسات، ومواقف، وأحداث، وقضايا؛ زاوجت بين الأدب، والنقد، واللغة، والفلسفة، والتاريخ، والتراث، والتحقيق، والترجمة، والآداب الأندلسية، والإسبانية، واللاتينية، والأدب المقارن، والقصة، والشعر الجاهلي، والسياسة، والتربية، والأزهر الشريف، ومصر، وإسبانيا.
شارك في الكتاب الصادر عن صحيفة «دار العلوم» القاهرية الفصلية، في عدد خاص؛ محمد عبد المطلب، وأحمد درويش، ويوسف نوفل، وحامد أبو أحمد، ووديع فلسطين، ومحمد عبدالحميد سالم، وأحمد كشك، ومحمد عبدالمجيد الطويل، ومحمد صالح توفيق، وشعبان مرسي، وأحمد علي الجارم، ومحمد أبو الفضل بدران، وإلهام سيف الدولة حمدان، وشعبان عبد الجيد، ويمنى رجب، ورشا غانم، وحلمي القاعود، ومحمد عبد العظيم سعود، وعبد المجيد بركات، ومحمود النوبي، والمستعرب الإسباني فيرناندو دي أغريدا بوريو، وحسام جايل، وأحمد حسن عوض، والأكاديمي السوداني حسن بشير، والأردني أحمد الزغبي، وأحمد عفيفي، وغيرهم من الباحثين.
تضمن الكتاب معظم المحطات، والنقلات المهمة في حياة الطاهر مكي؛ سواء البدايات في صعيد مصر الجوّاني، في محافـظة قنا، أو الدراسة في المعهد الديني الأزهري هناك، ثم المجيء إلى القاهرة في الأربعينات من القرن العشرين؛ للالتحاق بدار العلوم، أو للذهاب إلى أوروبا في بعثة علمية إلى إسبانيا في الخمسينات؛ حيث نهل من الثقافة الجديدة، واطلع على الفكر الأوروبي القديم والحديث، والمناهج الغربية.
انتهى الكتاب بمجموعة من القصائد؛ التي قيلت في المحتفى به، وبمجموعة من الرسوم للطاهر مكي؛ بريشة ثلاثة من الفنانين الإسبان. وفي شهادته؛ يقول وديع فلسطين: «صحيح أنني لم أتتلمذ على الدكتور الطاهر أحمد مكي؛ بمعنى الجلوس منه مجلس التلميذ في الفصل، ولكن الطاهر بسلوكه، وشخصيته جعلني مجرد واحد من طلابه المعجبين بأدبه، وعلمه، وخلقه. وفي اعتقادي؛ بأن الطاهر أحمد مكي لم يظفر بما يستحق من التقدير الأدبي والمادي، وهو ما تنبَّه إليه معالي الشيخ السعودي عبد المقصود خوجة راعي الإثنينية في جدة؛ حيث قام بتكريم الدكتور مكي في مهرجان كبير، شهده المئات من المدعوين، وتحدثت عنه الصحف السعودية بتوسع».
وقال الدكتور محمد عبد المطلب: «من يقرأ تحقيقات الدكتور الطاهر يدرك على الفور أنه واحد من أعلام المحققين الكبار الذين قدموا لنا التراث تقديماً علمياً موثقاً، وأشرُف بأن كثيراً من إنجازاتي، ودراساتي في الأدب، واللغة، والثقافة، والبلاغة؛ كانت محتكمة إلى كثير من توجيهاته، وربما كانت أهم هذه التوجيهات احترام التراث».
وقال الدكتور أحمد درويش: «لقد اختار الدكتور الطاهر مكي، المنهج الموسوعي في مؤلفاته المتعددة؛ فامتدت جهوده تأليفاً وتحقيقاً، وترجمة إلى معظم مجالات الأدب العربي، والأدب المقارن؛ فأنت تراه مع امرئ القيس مدافعاً عن إمارته للشعر الجاهلي، وأنت تراه مع المفضل الضبي، وحماد الراوية، وابن قتيبة، وابن عبد ربه، وأبي الفرج في مصادر الأدب، وتراه مع ابن حزم في طوق الحمامة، ومع الأندلسيين عموماً، وتراه في العصر الحديث مع القصة القصيرة ومختاراتها، والشعر المعاصر وفرائده، ويقف أحياناً مع شاعر كالبردوني؛ معلياً كثيراً من شأنه، ومع شعراء تجربة التفعيلة مقللاً من شأنهم؛ ولا يكاد يترك لمسة إلا وله فيها رأي توافقه عليه، أو تخالفه فيه؛ ولكنه لا يكاد ينتهي من واد؛ حتى ينتجع وادياً جديداً. ولم تكن مواقفه مع اللغات التي ينقل فيها، أو يترجم أقل موسوعية؛ فهو يعرف الإسبانية معرفة جيدة، ويفيد منها ويترجم عنها، ولكنه لا يتوقف عندها؛ فلديه نوافذ تطل على أخواتها من عائلة اللغات اللاتينية: كالفرنسية، والبرتغالية، والإيطالية، ولن تنعدم محاولات له للترجمة عن بعضها، لكن هذه المحاولات تمتد أحياناً إلى خارج هذه الدائرة؛ فنجد روائع الإنكليزية، والهولندية وغيرهما تفوح هنا أو هناك».
المصدر: http://www.alhayat.com/

الخميس، 29 أكتوبر 2015

العد الجديد من صحيفة دار العلوم

الآن في الأسواق العدد (52) من صحيفة دار العلوم للغة العربية وآدابها والدراسات الإسلامية ، وهو عدد خاص صدر تكريمًا للأستاذ الدكتور الطاهر أحمد مكي في عيد ميلاده التسعين..
العدد في حجم مضاعف وبالسعر نفسه وتقوم مؤسسة الأهرام بتوزيعه في جميع منافذ البيع..




الأحد، 25 أكتوبر 2015

والأستاذ الدكتور الطاهر أحمد مكي كما نعرفه

والأستاذ الدكتور الطاهر أحمد مكي كما نعرفه
الأستاذ الدكتور الطاهر أحمد مكي، الأستاذ بكلية دار العلوم جامعة القاهرة، من مواليد محافظة قنا بصعيد مصر الأعلى، تخرج في دار العلوم سنة 1952م، حصل على الدكتوراه في جامعة مدريد سنة 1961م.
عمل بكلية دار العلوم مدرساً، فأستاذاً مساعداً، فأستاذاً، فرئيساً لقسم الدراسات الأدبية عام 1984م، ثم تقلد منصب وكيل كلية دار العلوم 1989م، ويعمل حالياً أستاذاً متفرغاً للأدب بقسم الدراسات الأدبية بكلية دار العلوم، وقد عمل بجامعتي كولومبيا الوطنية والجيزويت بكولومبيا لتدريس اللغة العربية، وعمل أستاذاً زائراً بجامعات تونس، والإمارات العربية المتحدة، ومدريد، والجزائر، والأردن...
وقد أشرف على عدد كبير من رسائل الماجستير والدكتوراه في الجامعات المصرية المختلفة؛ فهو أستاذ لأكثر الأساتذة بقسم اللغة العربية بكلية الآداب بقنا وبأقسام اللغة العربية في الجامعات المصرية، وهو رئيس تحرير صحيفة دار العلوم، وعضو بالمجالس القومية المتخصصة، وعضو المجلس الأعلى للثقافة، وعضو مجلس إدارة دار الكتب المصرية، وعضو مجمع اللغة العربية منذ عام 1999م.
والأستاذ الدكتور الطاهر أحمد مكي غزير الإنتاج كثير المؤلفات ما بين تحقيق وتأليف وترجمة ونقد، يُتقن اللغة الإسبانية كما يُتقن العربية، وهو من أصحاب الفضل على أدب اللغتين المقارن خاصة، له ترجمات عدة من العربية وإليها. تملأ مؤلفاته رفوف المكتبات العامة والخاصة، وتتنافس على نشر أعماله أكثر دور النشر.
وعن علمه ومؤلفاته حصل الأستاذ الدكتور الطاهر أحمد مكي على وسام الجمهورية للعلوم والفنون من الطبقة الأولى 1990م، وأيضا عام 1992م، ثم حصل على جائزة الدولة التقديرية في الأدب 1992م.


د. محمود النوبي أحمد